منبر العراق الحر :
“ما هو بالضبط مقدار الحقيقة التي يمكن للإنسان أن يتحملها دون أن يعرض نفسه لخطر التدمير بسببها؟”. وهنا يتحدث نيتشه عن مسألة الحقيقة الفنية، النسبية تمامًا، والطريقة التي قد نرغب في النظر إليها أو التي نريد أن نرمي عليها كل شي.
إن ما قاله هذا لفيلسوف يلقي بنا في أحضان المواجهة أو المعارضة السهلة بين النقد والمسرح. إن فحص وتدقيق للنقد يعني أيضًا طرح نفس الأسئلة والاسباب على المسرح. في مجتمعاتنا المسرحية التي صارت تتشكل صورها من خلال المهرجانات وكثرتها غير المجدية، أصبح المسرح والنقد ظاهرتين هامشيتين.
بلا شك، إن الثقافة، بشكل عام، هي منتج، وهي سلعة يمكن استهلاكها، ويفضل أن يتم استهلاكها بسرعة، حيث تكون أصالتها في كثير من الأحيان مرادفة للسرعة التي يتم بها تجديدها. في حين يعتمد المسرح والنقد، من جانبهما، على التفكير، وعلى التساؤل الطويل الأمد، وعلى خلق شبكة من التبادلات، والتحفيز المتبادل، في اتصال جسدي حقيقي بين الأفراد. فالنقد، مثله مثل المسرح، عمل حي، وبالتالي فهو إنساني قابل للكمال. إنه مثل المسرح تمامًا، لكي يعيش ويتقدم، يجب عليه التشكك في معرفته المكتسبة، وفي يقينياته. وهذا يعني مساءلة أنفسنا لماذا نمارس النقد لجمهور محدد؟ أو لماذا نكتب نقدا؟
وكما يقول برنارد دورت، ” في مواجهة النقد الاستهلاكي (الذي يتم استبداله بشكل متزايد بالإعلان)، هناك نقد آخر ممكن وضروري. نقد للحقيقة المسرحية كحقيقة جمالية ونقد للظروف الاجتماعية والسياسية للنشاط المسرحي”. مما يعني أن الامر ينطبق بالمثل على النقد أيضاً، في نفس صورة الظروف التي يحدث فيها النشاط المسرحي. وإذا كان المسرح يفتقد إلى المتفرجين المتدربين على الاستماع إلى اللغة المعقدة والخاصة، فإن النقد المسرحي لا يحظى بمعاملة أفضل أو أكثر تفضيلا.
وسواء شئنا أو أبينا أو نحب ذلك أم لا، فإن الناقد جزء لا يتجزأ من المغامرة المسرحية. إنه باتصال وثيق ومستمر بالوسط المسرحي وبيئته، وتقع على عاتقه، إلى حد كبير، مهمة الحفاظ على الإنتاج المسرحي، في الفكر والتحليل، هذا على الرغم من بعض الخيانات الحتمية التي ترتكب باتجاه الموضوع المسرحي، الزائل في جوهره، لا سيما أن الكتابة عن المسرح، والقول يعود إلى برنارد دورت: تكمن في الحديث عن الحاضر في الماضي، إنه خطاب عن الغياب، حول ما كان ولن يكون مرة أخرى.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر