منبر العراق الحر :
كلنا يعلم أنه ليس كلُّ ما كتبه التأريخ ووصل الينا حقيقة مطلقة ، وقد [ نُسب ] لأمير المؤمنين علي ع زورا وبهتانا بأنه قال (لا تجادلهم بالقرآن فإن القرآن حمّال ذو وجوه تقول ويقولون )علما إن هذه العبارة لا توجد في كتبنا المعتبرة (الكافي والاستبصار والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه) . والعبارة تعني أن القرآن يحتمل تفسيرات مختلفة وأدلة متباينة ، بمعنى إن كلّ شخص يقرأ نصوصه قراءة تختلف عن قراءة الآخر ووفق هواه بحيث يمكن أن يحتج به على الشيء وضده ، أي ممكن تبرير قراءة خوارج الأمس ودواعش اليوم للنص القرآني ، مع أن أمير المؤمنين ع يصف القرآن ( فالقرآن آمر زاجر , وصامت ناطق, حجة الله على خلقه )[ نهج البلاغة /ج ٢/ الصفحة ١١١ ] .
القرآن يحمل وجهاً واحداً وإلّا لما قال تعالى { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }النساء82 فكلمة [ فيه] تشير الى خلوه من الاختلاف ، {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} الشورى 10.
وفي قوله تعالى {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ }النساء59 ، وأجمع المسلمون على أن الردّ إلى الله يعني الرد إلى كتابه وأن الرد إلى الرسول يعني الرد إلى سنته ، ولو كان القرآن حمال أوجه ، فكيف يأمر الله تعالى برد المتنازعين فيه إليه؟ { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } النساء 65 والرسول ص يحكم بالقرآن.
فليس من المعقول أن يرد المتنازعون ما شجر بينهم من خلاف إلى حكم لا يرفع التنازع ، بل هو نفسه متنازع فيه ، والله تعالى يقول {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} البقرة 213.
إذن ليس القرآن نفسه حمّال أوجه بل { الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ } الحجر91، والذين { قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} المائدة13و{ اِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } الحج53 يفسرونه حسب أهوائهم كما هم خوارج الأمس ودواعش اليوم لأن نفوسهم غير مطهرة من الآثام والذنوب فالقرآن لا يلج الى تدبره وتفسيره الصحيح الا المطهرون {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ }الواقعة79.
{ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ{41} لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد} فصلت 42، أي يستحيل أن يكون حمّال أوجه وهو الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
وليس من الصواب أن يقال أهجروا القران لأن له تفسيرات متباينة ومن ثمّ نكون من الذين يشكوهم رسولنا الكريم F { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً } الفرقان 30 وتأمل كلمة (اتَّخَذُوا) أي يبذلوا جهدهم لهجرانه ‘ فكيف يدعو الى ترك أحد الثقلين ، وهو المصدر الأول للتشريع الإسلامي ؟ وكيف يكون الهدى والفرقان والنور غامضاً أو قابلاً لأي تفسير.
ومن المؤكد أنه تعالى لا يمتحننا على كتاب لا نفهمه فهو (وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ )، أي مبين بذاته {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ }البقرة99 ،أي بنفسها {لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ }النور46 لنفسها ولغيرها ، وهو نور والنور الظاهر بذاته والمظهر لغيره إذ لو كان مبهماً لفقد القدرة على الهداية {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }القمرـ 40.
فهو عزيز وكريم وحكيم وعظيم ومهيمن وحق وموعظة وعربي وكوثر ومجيد ورحيم وشفاء وروح وهدى وفرقان ومبارك ومبين ولاريب فيه وأحسن الحديث وذكر ، وعليه لا يمكن فهم القرآن الا من داخل القرآن نفسه ، واذا عجزنا عن بيان آيات الله المسطورة في القرآن تبينها آيات الله المنظورة في انفسنا والكون !!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر