منبر العراق الحر :
لا أعرف إن كانت أجيال اليوم ، من مرتدي بنطاليل الكابوي الصينية وأنتظار رسائل الماسنجر يعرفون زهور حسين ، وأشك انهم يعرفون بسبب أن الذائقة الجديدة تنزعج ولديها حساسية من حناجر أسطوانات جقمقجي ، وليس زهور حسين وحدها من لايعرفونها ، بل أنهم لايعرفون مثلا إن بدر شاكر السياب صاحب ريادة شعرية في التجديد وليس المطرب حسام الرسام كما أدعى أحدهم .
فأنا عندما أسمع( بحة ) داخل حسن في صوت أحدهم وهو يشدو بأغنية ( ياطبيب صواب دلالي كلف ..لاتجرحه بحطة السماعة ) أستعيد الواح وأناشيد ملحمة جلجامش كلها ، ويهزني الشوق الى بلاد اوجعها فوضى برلمانها وجعلها تهرب الى اعشاش العصافير وعثوق التمر وسوابيط السماء تلك التي كانت ترينا عري الآلهة وافلام السينما وضياء اقراص الخبز وضفائر الديكة الحمر وهي تنشط بمداعبة خدود الدجاج ، فنقول : ( بوسة الديك بقوة قنبلة هيروشيما )..
تذكرني حنجرة زهور حسين بطبيعة وأناس وبلاد من نوع خاص . فهذا الصوت الذي تشظت نغماته في شرايين عاطفة العراقي يقودك الى أن تجد نفسك دون الحاجة لخطوات قد لاتحصل عليها عندما تحتاج الى شمة هواء من مساء في الحلة أو الى بريق نجمة من ليل الغراف أو ظهيرة باردة من ظهاري بعشيقة ، فغناءها مثل ختم الفيزا يعبرُ بكَ بوابات الحظر والممنوع وحدود الاوطان ليصل معك الى حيث تريد من الأمس الغابر ، قدح الشاي والصفحة الثقافية من الجريدة ووجه الحبيبة.
الأزمنة الجميلة لم تعد بمتناول اليد ،وليس لأدق الحواسيب وقوارير العلم أن تستحضرها ،وحدها زهور حسين لقادرة أن تعيد للذاكرة نشاطها وللقلب خفقة السنين ( الثمنطعش ) ، انها مثل دولاب الزمن العودة معه ممكنة أكثر مما تحاول ناسا الفضائية فعله ، فقديما عندما كتب فرلين روايات الخيال العلمي حول السباق مع الزمن والعبور الى ازمنة لم تاتِ بعد او العودة الى ازمنة قديمة كان يضع دولاباً يدور بك مع دوار الرأس ومركبة بحجم الكرة تغوص فيك الى اعماق المحيط ،غير أنه لم يدرك أن أغنية جميلة من صوت ساحر وفطري وأنيق يمكنها أن تفعل ذلك دون كل تلك الأخيلة.
كانت زهور حسين التي قد لا تقرا ولا تكتب بارعة في صناعة الآف الكتب لمن يودون رغبة التأليف والكشف عندما يصبح صوتها محرك لماكنة الأبداع عندهم ،ولو كان انشتاين عراقياً فحتما سيكون قد اكتشف نظريته النسبية على صدى السماع الحسي والروحي والرياضي لأغنيات هذه المطربة التي توفيت بحادثِ سير في الطريق مابين مدينة الديوانية وبغداد.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر