منبر العراق الحر :
أستيقظ في الصباح مبكراً ، ارتدى ملابسه وخرج ، كان جائعاً ، حملته أقدامه الى شوارع المدينة الغاصة بالناس، توفيت أمه أثر نوبة قلبية ، كذلك أبوه أثر مرض عضال ، بعد أن ترك له مبلغاً بسيطاً من المال وبعض الأثاث الثمينة ، لم يكن سعيداً كل ما يحتاجه هو أن يستمر في الحياة حتى يكبر ، طالما حلم أن يعمل في مخزن كبير للمواد الغذائية يتحمل مسؤولية ، لسد حاجته للعيش في هذه الحياة التي أصبحت صعبة بالنسبة له ، انسحقت أمعاءه تحت هذه الكلمات ، الجوع ، العطش، كان يحمل في يده تمثالاً برونزياً للفنان بتهوفن ، وهو آخر القطع الثمينة التي كان أبوه يحتفظ بها في مكتبته .
ينادي بصوت مرتفع :
ـ تمثال للبيع !.
ـ تمثال برونزي للبيع !.
أستوقفه رجل ذو عينيين رماديتين أشبه بلون رماد سيكارة منطفئة ، فتحت للآخر، بعد أن حدقِّ به
هل هذا التمثال للبيع ؟!
نعم .. للبيع إلا تسمعني ؟!
من أين لك هذا ؟
هل سرقته من المتحف ؟!
أقسم بالله العظيم لم أسرقه ،أنه حلالي ، ملك أبي !
أمسك به بقوة ، باءت كل التوسلات التي قدمها بالفشل ،حتى أحتقر نفسه أكثر من ذي قبل.
صرخ به من أين جئت به ، أنطق؟!
أنه لأبي المتوفى ، بعت جميع كتبه الثمينة حتى أعيش ،لم يبق سوى هذا التمثال .
لماذا لا تشتغل ؟!
أين أشتغل .. وبأي مهنة ، خذ التمثال ودعني اذهب، قبل أن يكمل كلامه لطمه على وجهه بقبضة يده ، وساقه وسط حشد من الناس الذين ينظرون إليه غير مبالين لأن الأمر لايهمهم .
لم يستطع تحمل الألم ، فار الدم فيه ، أخذ ينزف من رأسه حتى وقع مغمياً عليه وعندما أفاق من غيبوبته وجد نفسه مقيداً بسلاسل حديدية في سجن انفرادي، رطبٍ، معتم ٍ، توجد كوة صغيره أعلى الجدار، في الزاوية تنبعث روائح كريهة من صفيحة وضعت للتبول ، الصمت هنا يتسلل كأغنية خرساء ، أعاد ترتيب الحوادث في ذهنه بسرعة : استيقظ في الصباح مبكراً ارتدى ملابسه وخرج ، كان جائعاً ، يحمل في يده تمثال ، هذا كل شيء ، مرت ساعات ظلامية ، ثقيلة ،الذهن شارد ، والجسد مرهق ، لقد وقع تحت سيطرة عدو مارد لا يرحم ، لا مجال للهروب ، تلاحقت أنفاسه والتهبت النيران في صدره ،وأبت أن تخمد في ذاكرته ، هالة أخذته في رحلة داخل الزمن الفائت ، وظلت عيناه المتعبتان تحومان.. تبحثان عن مخرج .
عاد إليه الرجل وقاده الى قبو مظلم ، رأى في الزاوية البعيدة من القبو حبلاً رفيعاً يتدلى أمام عينيه ، كمشنقة مرتجلة ، بجوارها سوط أسود يشبه ذيل عجل ، جف حلقه وغاص قلبه بين أضلاعه ، تجمعت حفنة صغيرة من غيوم الخوف في عينيه ، لا مجال في التفكير بالهرب ، لأنه لا يعلم في أي مكان قابع ، إلا أنه سرعان ما أراد أن يريح نفسه .
قــال: أن التمثال ملكي ، لم أسرقه ، لماذا أنا خائف ؟!
لكن دون جدوى فقد سيطر الخوف عليه سيطرة تامة جعله يخاطب نفسه : ألا ترى أن نصيبك في الحياة هو هذه البقية الباقية من تأريخك ، فلم يصادفك نجاحاً كبيراَ بحصولك على عمل تحلم به، كنت مدللاً وها أنت تدفع ثمن دلالك ، لم تتعلم صنعة تنقذك من هذه الظروف الصعبة التي تمر بها ، ارتفعت رطوبة السجن ، أحس بأن الهواء الذي يستنشقه ثقيلا ً، رائحة كريهة صفراء كأنها بخور عفن تضرب رأسه0
نما الألم في قلبه وسيطر عليه نوع من الخوف العميق الذي لم يعرفه من قبل ، دب اليأس كبادرة نهائيه ، لا يوجد مسجوناً يتحدث معه ، سمع صرير الباب، تكور طارقاً برأسه الأرض .
عاد إليه الرجل يصرخ بوجهه ويركله ، وهو يطيل النظر إليه، الى رذاذ فمه الذي يتطاير حوله ، ثمل ، يترنح وبيده ذلك السوط اللعين .
قـــال : في سره وهو يرتعش أنا أعرف ويعرف الجميع أن الرأفة بالمظلوم هي أناقة بالنسبة الى الطغاة !
أعترف من أي متحف سرقت التمثال ؟ والا… ؟ ورفع يده الى الأعلى ليضربه.
أنه لأبي .
أين أباكَ ؟ !
أبي توفى منذ سنتين !
تكذب !
صرخ به وضربه على رأسه ضربةً قويه ، أمسك بشعره وضرب وجهه الأرض .
لما أفاق من غيبوبته ،وجد نفسه في منطقة نائية ، أحس بألم شديد في رأسه وكتفه الأيمن أثر الضربة القوية من ذلك السوط الأسود ، لقد سلبوا التمثال منه .
حملته أقدامه الى شوارع المدينة الغاصة بالناس ، وفي داخله صراخ صامت راح يداعب مخيلته، معاناة من الزمن المسلوب ، زمن الخوف تضاف الى تلك المعاناة المريرة التي عاشها ، ملابسه ممزقة وسخه حافي القدمين ينادي.
ــ تمثال للبيع !
ــ تمثال برونزي للبيع !
يُبحلق بعينين فتحت للآخر .
ــ الا تسمعون تمثال للبيع !
ــ أين تمثالك ؟
ــ انه بيدي!
ــ يداك فارغتان .
ــ والله العظيم لم اسرقه !
قـــــال احدهم :لابد وان هذا الشاب مجنون ، يا للخسارة ..
منبر العراق الحر منبر العراق الحر