قناع الدين وعورة الفساد …كتب رياض الفرطوسي

منبر العراق الحر :
تنطلق أزمة المشهد السياسي والاجتماعي اليوم من نقطة شديدة الحساسية والخطورة؛ تتجلى في ذلك الانقلاب القيمي الحاد الذي حوّل السلوك العام من ادعاء التدين والورع إلى واقع متجذر من الفساد والإفساد. غير أن هذا العطب، في عمقه المعرفي والسيكولوجي، ليس مجرد وليد بيئة خارجية ضاغطة أو سلوك طارئ فرضته التحولات، بل هو نتاج خلل بنيوي يصيب الفرد أولاً في عمقه الإنساني قبل أن ينعكس على المجموع.
وحين نتأمل مشهد ما بعد الكوارث الكبرى، نجد أن محاولة إلصاق تهمة الفساد بالدين، أو اتخاذه مشجباً لتفسير الانحدار، ليست سوى نوع من التسطيح المعرفي والتبرير الساذج. فاللص لا هوية دينية له، ولا انتماء عقائدياً يحركه : إن هويته الحقيقية والوحيدة هي “الخزانة المفتوحة” والمصرف والمغنم . ولعل أكبر خدمة تُقدم للفاسد هي دمج سرقاته في إطار عقدي أو مذهبي، لأن ذلك يمنحه حشداً من الأتباع والشرعية، ويخرجه من خانة العزلة بوصفه مجرد سارق. الحرامي هو الحرامي، بدين أو بلا دين، كانت النتيجة ستؤول إلى النهب ذاته لأن العقلية المحركة هي عقلية غنائمية بدوية لا صلة لها بمشروع بناء الدولة، في مجتمع عُرف تاريخياً بتدينه المعتدل الحيوي، لدرجة أن التناقضات الأيديولوجية الحادة كانت تذوب عفوياً في مناسبات العزاء والمواساة المشتركة.
في هذا الفضاء الملتبس، يقف الأدب الحقيقي بوصفه مرآة كاشفة، لا تُعنى برصد السطح الساكن، بل باختراق المحجوب وتوقع الكوارث قبل وقوعها. وحين تصدر أعمال تنبؤية مبكرة تحاكم العقل السياسي المعارض قبل وصوله إلى كراسي الحكم، وتتنبأ بصراحة مرعبة بأن الجلود ستتحول إلى أحذية لساسة قادمين، فإنها تمارس هنا أقصى درجات الأخلاق والنبالة لأنها تحذر من مصير الأبرياء. لكن الصدمة تكمن في طبيعة القراءة السائدة؛ تلك القراءة السياسية والشخصية المسطحة التي ينتجها العقل التبسيطي المأزوم. وبدلاً من نقد النص وتفكيك مرجعياته، يتحول الكاتب نفسه إلى هدف لحملات تشهير منظمة يقودها وعاظ مزيفون وكتاب خواطر مناسباتية. هؤلاء الذين يعانون من اضطراب الشخصية النرجسية الخفية وعقد الثأر، يرتدون أقنعة الأخلاق ليمارسوا سلوكاً يعتمد على إسقاط هشاشتهم الداخلية على الآخرين، مخترعين معارك وهمية للتغطية على غياب منجزهم الفكري، ومتناسين أن الأدب ينبع من أعماق نقية كقاع بحيرة صافية، وأن الزمن وحده هو الفاحص والمختبر.
إن هذا الصخب المزمن حول “الأخلاق في خطر” في حقل أدبي، يتغافل ببلادة عن وطن كامل يتفسخ وإنسانية تُسحق كل يوم. وهنا تبرز الخديعة الكبرى حين يتواطأ الضحية في صنع مأساته. فإذا كان من الممكن الاحتيال على الفرد لسرقة أشيائه العابرة، فإن سرقة وطن بأكمله وتحت أي شعار هي مسؤولية “المسروق” قبل السارق. إنها خطيئة الوعي الخاوي والذاكرة المستقيلة التي فشلت في بناء مصدات وقائية ضد الدجل السياسي والانتخابي. فالجمهور الذي يرى النيران تشتعل في أركان الدار ويستمر في الصمت، والتواطؤ الذليل، وتبجيل الأوهام والأساطير، يصبح شريكاً أصيلاً في منح الشرعية لمؤسسة الحكم.
لقد صُمم النظام السياسي بدقة، واستُبِعِدَت العناصر الوطنية وأصحاب “الرؤوس الحارة” عبر الإقصاء الممنهج بموجب هندسة مخابراتية دولية، ليُسلم القارب في النهاية إلى أميين ثقافياً وسياسياً لا يجيدون إدارة مزرعة دواجن، بينما تدار النتائج والتوجهات عبر حواسيب الصفقات والمساومات، ليبقى المواطن أسيراً لوهم أنه يختار وينتخب، هارباً من الحقيقة القاتلة: أن الصبر على الفساد والنهب هو الثمن الأفدح الذي يدفعه المجموع اليوم… وبالتقسيط المريح.

اترك رد