وجهُ صديقي ….كريم خلف جبر الغالبي

منبر العراق الحر :
مازلت أذكره وهو يسير بقدمين شبه حافيتين منتعلا وجع غربته في وطن على شفا حفرة من نار اوقدتها حرب عاتية ، عيناه مسمرتان على خط متعرج لا يعرف الاستقامة ، يفتشان حواف الرصيف عن التيه واللا جدوى ، الضياع الذي يتحدث عنه أسرج ظهور الخيل ْ وبعد حين لابد من الرحيل وعليه أن يقرأ بعينيه الذابلتين عنوان الجهة التي تجنده وتدربه على الشواء ، فألسنة الحروب بين فكين ابتلعا الملايين من الناس وأحرقهما بنيران لا يعلم سعيرها أحد .
كان جسدي باردا يدفعني للالتصاق به كي أسد ثغور الرياح التي تخترق ببرودتها عظامي ، لا يملك بجيبه ثمن الدفئ الذي يغري وجهينا للدخول في تلك الحانة المخمورة هربا من البرد القارص ، ولا انا كذلك فلقد كان جيبي مثقوبا ، اجساد شبه عارية تترنح في الهواء الطلق تخرج من حانات متباعدة ، لمحت في يدي أحد الخارجين منها قنينة تخيلتها فارغة ، لكنه كرع ما تبقى منها من وشل ورماها على ذلك الرصيف حتى تشظى زجاجها مختفيا تحت جنح ذلك الظلام بين حفر الرصيف المتآكل ، تملكه صوت مغنٍ طالما ردده مذياع اجش ، سمعته مرارا في آخر الليل من على سطح جارنا الذي يتوسد هدمه ، يبحث في ذلك المذياع عن آخر نشرة للأخبار ، عسى أن يحدثه بخبر سار ، لكنني لم أسمع سوى وشوشة تلك الأغنية التي رددتها شفتا ذلك السكران( ماني صحت يمه أحا جا وين اهلنه ) ، توقفت قدما صاحبي ونظر بوجهي قائلا : سوف لن تتحقق العدالة ، وسيستمر الظلم ما استمرت الحياة ، فاذا كنا نعيش كل هذا الالم والحزن ونمضي الى قبورنا دونما شرع أو قانون يقتص من الظالمين ، فأين سنجد العدالة؟ أجابته حيرتي بالسكوت ، التفت إلى الوراء وكأنه يتفقد شيئا خلف ظهره ثم قال لي : الحدود قضبانُ سجنٍ يحطمونها بهاجس الحروب كي يعلقوا على صدورهم أوسمة البطولة ، والأوطان أكذوبة يغرسونها في النفوس كي يتربعوا على عروشٍ بُنيت فوق هياكل المستضعفين ، ثم استرجع قائلا : إذا كان أحدهم شوه وجهك ، فأي قانون بعقوبته تستعيد وجهك ؟ أجبته بكلمة لا ، لكنه أردف قائلا : إذا لا فائدة يا صديقي ، سوف لن يتغير شعورك بما فقدته وتزداد سوءا وبذلك تصبح عقوبته هراء ، فقلت وما الفائدة من سن القوانين ، أجابني لكي يحموا انفسهم ولكي لا يتكرر ما حدث ، وهذا لا ينصف المظلوم إنما هو وسيلة لعدم تكرار ذلك الحدث ليس إلا ، تمايل قليلا ، يمينا وشمالا ثم قال : الدفاع عن الوطن لن يرجع أبناء الفاقدين ولن يطفئ حرارة قلوب الثاكلات ، وسوف لن تجد الحبيبة حبيبها الذي فقدت وإن التقت بآخر ، فحينما تهوى النفس لن يشغلها إلا ما هوت وما من بديل لمخلوق خُلٍق إلا إذا تساوى بنانيهما وهذا من المحال ْ، وما دام العدل مفقود في هذه الحياة وبهذا المعنى فلابد من وجود آخرة تحقق العدالة بذلك المعنى مستعيدة وجهك يا صديقي .

اترك رد