منبر العراق الحر :
على الرغم مِن حرارة الجو، ترفع سماعة هاتفها ببرود، تسمعه يقول بشغف دون سابق إنذار:
– أحبيني.
تردّ بسرعة واثقة:
– مَنْ قال إنني لا أحبّك؟
– لا أقصد ما تقصدين،
لا تتجاهليني أحبيني.
تصْفُن ثمّ تتابع بحذر : أنتَ أخ عزيز و جار ..
يقاطع:- أتوسل إليكِ افهميني أحبيني.
– و الله أحبّك؛ أحبّ أهل البناية مِن الطابق الأول حتى الطابق الأخير، كلّ حي الروضة
و جميع الناس .. و ..
يقفل الخط في وجهها ساخطاً دون وداع
فتكمل وحدها: – لاسيما مَن في الطابق الثاني.
خلال الأيام التالية، في الوقت نفسه يعاود الاتصال،
يكرر الاسطوانة ذاتها:
– أحبيني.
تغلق الخط ساكتة و تفكر في جواب قادر يستطيع إقناع إلحاحه فيخطر على بالها أمر جنوني: – إذا أمطرت يوم الغد سأحبّك.
– كيف ستُمطر في شهر آب؟
يا قاسية الفؤاد أما من شرط آخر؟
– هذا ما عندي.
استلقت مُتقلّبة على صبّار فراش مُستهجن ما خطر على بالها:
-هلْ يُمكن أن يتحقق هذا الشرط؟
تبحر في محيط فكر مشوش و تغوص ..
بدت مدينة دمشق تغتسل بماء ورد و ياسمين، هي تفرد ذراعيها و تدور راقصة تحت رقص الزهور، بسعادة تستقبل بكفيّها أحلى عطاء،
ينبض قلبها البارد و يحرّك رماد عواطف خامدة منذ سنين ..
تستيقظ مفزوعة على صوت جوالها: – انظري مِن النافذة.
المفاجأة، ماء يسيل بغزارة على زجاج نافذتها، اقتربت ببطء. شمّت روحها عبق حبّ معجون بالرغبة، تراقب بكلّ حواسها: – عادة لا تكذب الحواس.
كلّ قطرة تطرق أذن النافذة تقول بإصرار: – أحبيه بأمر السماء.
تتابع روح هاربة: – لا يكذب أنف استنشق عطر إلهي، لون المطر الأحمر يعلن الموافقة،
هلْ سفح الكون دمه لأجله؟
أتمنى أن أخرج و أسلم وجهي للمطر المُوافق الآن.
لكنّها بقيت طوال اليوم في منزلها تدور و تُحدّث نفسها التي حارت و وقعت في مصيدة الوعد.
– هل أحبّه؟ و زوجته؟
يتصل العاشق فرحاً: – أتوسل إليك أحبيني؛
تعاطف معي الإله فأمطرت.
بهدوء قاتل: – تمهّل أرجوك،
هُناك أمر آخر للاختبار.
مُسرعاَ: – جاهز و مُتفائل..
ببعض لين: – ماذا أيضاً؟
كعادته: – أحبيني.
يسكت ثمّ ينشق ماء أنفه:
– لا تعلمي كمْ بكيت و أنا أرقب المطر و أسمع طرقاته الحلوة على زجاج نافذتي.
يتنهد: – كان أجمل من عزف قيثارة، أرق مِن غناء هندي، غسلت القطرات السخيّة روحي الراغبة في ضمّكِ إلى الأبد.
لا بد من حيلة جديدة، يبحث مخ رأسها الموجوع، عابثة تقول:- اتصلْ إذاً بعد شهر، شرط ألاّ تحاول مطاردتي، لا تهتف قبل موعدنا الساعة الواحدة ظهراً كما توقيت لحظتنا.
– شهر يا ظالمة؟ أمرك سأصبر، سأفعل كلّ ما تريدين؛ فقط أحبيني.
تنظر في وجه مرآتها، تتحدّى أنوثة راغبة، تتجاهل ملامح امرأة موافقة وتعود مُكابرة إلى رشدها.
تتحدث بصوت مسموع للجدران: – ما الحل؟ سيمضي الشهر قبل إيجاد طريقة تقنعه عن ردّ جنون هواه.
أيّام قاسية جلدتها بسياط، لمْ تترك لحظة إلاّ عاتبتها نفسها، مازال المطر يخطر على بالها، تتساءل باستغراب:
– كيف أمطرت؟ لولا أنّ الله يريدني له حبيبة، أنا جبانة بترددي، سأخسر الحبّ الحقيقي الذي بحثت عنه حياتي.
ملأتْ زوايا بيتها بالأزهار، أشعلت الشموع في كلّ مكان، كتبت قصائد الحبّ في دفتر مذكراتها العتيق، سمعت موسيقى هادئة وصاخبة، رقصت على الألحان و على حبال الخيال،
لا شيء خفف عصف ما بداخلها مِن عذاب ..
تفكر بقلب متهاون ثمّ تتراجع برعب حين يأتي على مُخيلتها مشهد زوجته و هي تشتم إحدى جاراتها بكلّ أنواع السُباب لأجل شطف الدرج، تتخيل كيف ضربتها بهمجية، شدّت شعرها و مزقت ثيابها ..
تضرب كفاً بكف: – ما العمل؟
ماذا أفعل لقد تعلّقتُ به بشكل غير معقول . .
طرقات قوية على باب بيتها، تفتح مُسرعة ..
زوجته الجسيمة تقف أمامها بوهمها و شحمها، تتخيلها بادئ ذي بدء حائطاً سيقع عليها و ينهار،
مترددة بخوف: – تفضلي.
تدخل بود تبتسم في وجهها، تقبّلها بحرارة، فتزول بعض مخاوفها ..
ارتاحت نفسها قليلاً ..
عادت بعد دقائق بصينية القهوة، الجارة على عَجَل: – من فترة أحاول أنْ أنزل لزيارتك، لكن الظروف عاندتني.
– أهلاً بكِ في كل وقت.
تكزّ على شفتها السفلى: – كنت أود الاعتذار عن المياه الكثيرة، يوم الجمعة حين غسل زوجي الشباك.
تطرق بعين الأرض بخجل: – لا أدري ماذا حصل له؟ أمسك بالخرطوم واسترسل في رش المياه.
تسمرّتْ لحظة ثمّ ضحكتْ ضحكات عالية و في داخلها ألف غصّة:
– كم أنا غبية؟
كيف مرّت خدعته؟
يا له من داهية.
قامتْ مجنونة، تناولت كأس الماء مِنْ صينية القهوة و دلقته على النافذة المخدوعة
و أخذت تراقب سيل دموع الزجاج و هو ينساب على وجنات غافية
ثمّ سحبت دفتر مذكراتها
مِن رف مكتبتها، مزقته و نثرت أوراقاً مُحبّرة بفوضى و هستريا.
نهضت الجارة مُستغربة خائفة مِن تصرفها الغريب.
أطفأت الأنوار،
تكورت في فراشها ترتعد
مِن قهر فظيع ..
– يا ربّي لقد أحببته، تباً له الغشّاش
أغرقني في مُحيط أعمى
لا نهاية له.
آتى شهر أيلول دامعاً، آن أوان الكلام المبلول، وضعت هاتفها الجوّال بوضع صامت كي تتهرب من شِباكه،
اتصلَ ملهوفاً على الهاتف الأرضي.
تستجمعُ قواها
قبل رفع السمّاعة المزعجة
كي تُنهي الموضوع على طريقتها مُتناسية استعراضاً طويلاً و ظلالاً متلاعبة بتحريض خيال ندي ..
تنادي عمقها بتحدٍّ كي تستطيع التنفيذ: – أ يا نفسي أخلدي إلى نوم أبدي.
تسحب أنفاساً مُتقطعة، تردّ مُتجاهلة سكّين معرجة تنحر بُطين فؤادها دون رحمة:
– من معي؟
– من غيري يا عمري؟
أنا حبيبك عاشقك المجنون.
– حسبت زوجتك، أحدهم أخبرها و هي متوترة جداً، ربّما رآك أحد الجيران و أنت تضع وردة الصباح كلّ يوم على يد الباب.
يسكت هُنيهة، فتتابع مُحذرة:- قالت مُهددة سأحرق الأخضر و اليابس تحت قدميه.
– يا ويلي زوجتي؟
يا ربّي ماذا أفعل؟
إنّها تموت غيرة.
يسعل متوتراَ: – لا تردي إذا اتصلت، حاولي أنْ تنظري من العين الساحرة قبل فتح الباب، هي عنيفة يدها و الضرب.
في كواليس باله المضطرب يرى مُستقبله أمامه: – لن ترحمني، ستطردني مِن بيتها مثل كلب أجرب، سأعود متشرداً في الشوارع كمَا كنت.
– أصغِ، لا أحد يعلم بأمرك، لقد وضعتك في حالة بديهية كنت ستصل إليها لو طاوعتُ هواك.
تسكت برهة و تردف: – آسفة، بصراحة لمْ أستطع الميل إليك، أنت ما استطعت تحريك شعوري البتّة.
– على فكرة أنا إنسان عادي لكن عندي قلب، أشكّ أنّك تمتلكين قلباً، أنتِ امرأة مغرورة، حرام تكوني شاعرة.
يتابع مُستفزاً: – أنا سأعشق كلّ نساء العالم إلاّ أنتِ، أصلاً أنا أشفقت عليكِ، أردت جبر خاطركِ لأنّك أرملة وحيدة مثل ال ..
قبل أنْ يُكمل شرحه الطويل، أسرعت بقولها مُقاطعة استفزازه:
– بالمناسبة أنا في قلبي شخص آخر.
و تقفل باب قلبها
مع خط مُحطم الأعماق.
..
.. هُدى الجلاّب ..
منبر العراق الحر منبر العراق الحر