منبر العراق الحر :
_ هل مفهوم الحضارة يعني امتلاك القوة أم يتجاوز ذلك إلى أغراض استخدامها؟
متى تكون القوة دليل نفسية عظيمة أو تكون قيمة إنسانية حضارية ومتى تكون دليل نفسية وحشية وهمجية؟
لقد كانت القوة منذ بداية الوجود البشري على الأرض أهم معادل في التاريخ من ناحية التكوين الفردي والاجتماعي كما كانت أهم دافع ومحرض للعقل الفلسفي والعلمي…
لقد حكمت معادلة القوي- الضعيف كل العلاقات البشرية والاجتماعية وكان لها دورا في تشكيلها…
فمعادلة القوة- الخوف أول ما حكمت عقل الفرد على هذه الأرض حيث الفرد بالتعريف إمكانية بشرية محدودة وغير كاملة مهما بلغت من القوة…
فالخوف من قوى الطبيعة والخوف من الموت كان دافعا لتصور قوة غيبية كاملة وغير محدودة القوة موجودة بخالق الكل يفض ويحكم بكل ما يحدث على الأرض…
كما كان الخوف دافعا لاحتماء الفرد بالجماعة باستقراره ضمن متحدات للتعاون بإنتاج الحياة وتأمينها ودرء الأخطار المحيطة به من خلال اتحاد الأفراد في جماعة ما…
والخوف من اعتداء الآخر الذي امتلك القوة كان دافعا لصراعات وحروب كثيرة وسعيا لتنظيم السلوك البشري وفق قانون لتنظيم وتحديد الحقوق نشدانا للعدالة…
وإن ما نقرأه من تطور الاجتماع البشري:
من مجتمعات بدائية تقوم على رابطة الدم ومن ثم رابطة الدين حيث كانت تسود الدول- الامبراطوريات التي تقيمها إما سلالة نافذة ما أو فيما بعد دين ما (ولم تكن تمايزت المجتمعات والأمم القومية الوطنية)…
إلى مجتمعات حديثة تقوم على رابطة الاشتراك بالحياة التي أنتجت المتحدات البشرية من قرى ومدن وتواصل العمران بينها الذي أسس لظهور الأوطان والأمم التي تسكنها أو ما يسمى مجتمعات قومية حيث ظهرت الدولة الحديثة دولة المتحد- المجتمع- الأمة- الوطن…
ومع تطور دولة القانون تمايزت الحقوق فيها:
بين الحقوق القومية حقوق الملكية العامة لأرض الوطن وموارده وتعيين حدوده المعترف بها…
وحقوق الأفراد- حقوق المواطنين المعينة بحقوق الإنسان المدنية والسياسية وصارت هذه الدولة رمزا للتطور العصري…
ومع هذا ارتقت العلاقات بشكل مضطرد نحو تحقيق عدالة أكثر وتحقيق كرامة وحرية للإنسان أكثر…
كما ارتقت العلاقات بين الأمم نحو تنظيمها وفق قانون دولي ما يزال يشوبه الكثير بسبب سيطرة الأمم القوية المنتصرة عليه…
إن المعطى الحقيقي لمعنى سيادة الحرية والمواطنة في الدولة والمجتمع:
معطى سيادة الحرية هو بنفي العنف إلى حد ما من منظومة العلاقات كلها بدءا من علاقة الرجل بالمرأة وعلاقة الأب بأولاده وعلاقة المواطنين مع السلطة السياسية وعلاقة هذه مع المواطنين وعلاقة رجل الدين بأتباعه وعلاقة الجماعات السياسية مع بعضها حيث يتم تداول السلطة والصراع عليها سلميا دون المس بأمن ووحدة وحيوية المجتمع التي أول ما تحققها سيادة الحرية في القانون الناظم لها…
معطى سيادة المواطنة كناظم لحقوق الهوية القومية الوطنية وطرح كل الهويات الجزئية الموروثة كأساس حقوقي ناقص للمواطنة وهذا ما يؤمن وحدة المجتمع…
_ لقد كانت صفة الحضارة تطلق على ارتقاء تلك العلاقات إلى الاعتراف الوطني الإنساني بالآخر المشترك في الوطن بغض النظر عن لونه ودينه ولغته وعرقه…
وكانت الحضارة تطلق على انتاج وابداع الشعوب عبر الأفراد للفلسفات والفنون والعلوم التي تخدم حياة الإنسان وتؤمن له السلام والفرح والأمان وضمن هذا السياق نستطيع أن نقول أن المجتمع معرفة والمعرفة قوة وهنا القوة قيمة إنسانية حضارية وهنا القوة دليل نفسية عظيمة…
وكما وسم السلوك الحضاري تاريخ التطور البشري وارتقائه كذلك وسمه السلوك الوحشي والهمجي المدمر كتصريف وترجمة لامتلاك القوة غطرسة وسيطرة ونهبا للأخر سواء كان فردا أو شعبا…
فلم يخلو التاريخ البشري الحديث من الاستعمار والاحتلال والإبادات الجماعية ولا يخلو العالم اليوم أيضا من أنظمة سياسية تقتل وتفتك بشعوبها ولا يخلو العالم اليوم من مجتمعات تفتل بعضها على الهوية بالدين والمذهب والعرق والتي تعتبر كلها مظاهر غير حضارية…
وإذا أردنا أن نعرّف التاريخ بشكل آخر فهو تاريخ صراع الأمم والجماعات والأفراد على امتلاك القوة والسيطرة…
ولكن في علاقة القوة- الحق:
أو ما يقال حول الصراع بين حق القوة وقوة الحق لم يكن يوما المظلوم والمقموع والمسلوب والمهجر من أرضه أقوى من الظالم والقامع والسالب والمحتل والمستعمر وإلا لما حدث ذلك…
وهذا الفارق في القوة بين الطرفين لا يسقط الحق ولا يشرّع للقوي اغتصابه واحتلاله ونهبه وسيطرته…
وهذا أيضا يجب أن يكون دافعا لقوى المواجهة لنيل حقوقها أن تعمل أولا على امتلاك أبجدية القوة وهي امتلاك مشروع وطني جامع موحّد لكل المكونات كمقاومات أو ثورات…
وعلى الأنظمة الوطنية في الدول الناهضة أن تعمل على بناء مجتمع مقاوم موحد اجتماعيا وناهض اقتصاديا وصناعيا ومعرفيا مهما بلغت التحديات خاصة في مجتمعات ممزفة الهوية ولا يوحد تعريف واحد للوطن لديها حتى يكون هناك تعريف واحد وتحديد واضح للعدو…
فالكردي المؤمن بالقومية الكردية السياسية والعامل لإقامة الوطن الكردي يعتبر تركيا عدوه مع باقي الدول ولا يشعر بإسرائيل عدوا له والمسلم السني المنتمي للسنية السياسية لا يشعر بتركيا عدوه بل يعتبرها الأم الحنون له والشيعي المنتمي للشيعية السياسية لا يعتبر إيران عدوه بل يعتبرها الأم الحنون لمشروعه وكذلك المسيحي الحالم بوطن نهائي يكون له كرسي الحكم يشعر بفرنسا الأم الحنون له والبعض من الأقليات تشعر أن وطنها مرتبط ببقاء طائفتها في الحكم وهناك البعض الذين لا يرون من الدولة إلا حقوق الإنسان ولا ينظروا إلى أن كل دولة في العالم تقوم على وطن وحقوق قومية إن مس بها أحد تندلع الحروب وكل من هؤلاء لا يشعرون بإسرا ئيل عدو وجودي لهم الا فيما تعتبره مراكزهم الإقليمية فيما تخدم مصالحها…
فنحن بمواجهة نظامين داخلي وخارجي:
داخلي يعمل على مصادرة حقوق المواطنين باسم الوطن والأمة والقضية وخارجي يبشر بنظام يعطي حقوق الإنسان ويصادر حقوقه القومية والوطنية من خلال دعم قيام أنظمة تسيطر عليها الطوائف وأحزابها ولا يكون هناك سياسة خارجية موحدة ولا تحديد لعدو أو صديق…
_أخيرا القوة الهمجية المتوحشة المدمرة لا تبني سلما بل استسلاما وخضوعا وتزرع الحقد والغضب في النفوس لأجيال ولا يمكن لدولة أن تعيش بشكل طبيعي حتى لو فرضت على كل الدول المحيطة معاهدات تطبيع فهذا الوجود استثنائي وغير طبيعي وليس بين الأمم والدول الطبيعية المنشأ والوجود معاهدات تطبيع… التطبيع اعتراف قسري بانتظار تغير موازين القوى..
منبر العراق الحر منبر العراق الحر