منبر العراق الحر :…… باحث سياسي واقتصادي……
منذ اللحظة التي أُعلن فيها عن وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، لم يكن الصمت الإسرائيلي سوى تمهيد لحربٍ من نوع آخر: حرب الرواية. فقد اندفعت الدوائر الصهيونية نحو تسويق نصرٍ إعلامي بارد، يتكئ على سردية تفوق جوي وتكنولوجي، وعلى صور أقمار صناعية تظهر أبنية سليمة في طهران، بينما الحقيقة الميدانية، بكل تناقضاتها وتعقيداتها، كانت تكتب نصًا مختلفًا في تل أبيب.
الضربة الإيرانية التي وُصفت بأنها “غير مسبوقة” لم تكن مجرد وابل صاروخي، بل كانت إعلانًا بانتقال الصراع من حافة الاشتباك إلى قلب المواجهة. للمرة الأولى، لم تعد إسرائيل تختبئ خلف جدار الردع الافتراضي. لم تعد المعركة محصورة في رسائل نارية عبر وكلاء أو طائرات دون طيار مجهولة. هذه المرة، وصلت الصواريخ إلى قلب “المركز”، إلى الأعصاب الحسية للمنظومة الصهيونية: تل أبيب، حيفا، النقب، والجليل الأعلى. هناك حيث تُصنع قرارات الحرب والسلم، وحيث يُربى الجيل الذي قيل له طيلة عقود إنه في “أكثر بقعة آمنة في الشرق الأوسط”.
وإن كانت إسرائيل قد امتلكت تفوقًا في الرصد والتكنولوجيا والدعم الغربي، فإن الضربة الإيرانية امتلكت ما هو أبعد: الجرأة على إسقاط أوهام الردع، وكسر المعادلات المفروضة منذ اغتيال قاسم سليماني حتى اليوم. فما جرى لم يكن مجرد ردّ عسكري تكتيكي، بل تفكيكٌ شامل لبنية الردع التي طالما تغنت بها النخبة الإسرائيلية – تلك التي اعتقدت أن الحرب لا تدخل أراضيها، وأن الأعداء لا يصلون إلى “قلب الحصن”.
اسرائيل في حربها ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية لم تذهب وحدها ، بل كانت محاطة بالحلف الخماسي – الأميركي، البريطاني، الفرنسي، الألماني، والإسرائيلي – وهذا لم يكن مجرد تحالف عسكري ظرفي، بل كان محاولة هندسة إقليمية متكاملة لإعادة ترتيب مشهد القوة في الشرق الأوسط، عبر استعراض جماعي للهيمنة. لكنه في المقابل، كشف عن مفارقة خطيرة: حتى مع كل هذا الحشد الغربي المدجج بالتكنولوجيا والسلاح والشرعية الدولية، لم تتمكن هذه القوى مجتمعة من منع إيران من إحداث اختراق استراتيجي في عمق الكيان الإسرائيلي.
وفي العراق سقطت الجوقة الأكثر ارتباكاً وانهزاماً. أولئك الذين اندمجوا نفسياً وسياسياً وثقافياً في المشروع الإسرائيلي، وراهنوا على الانهيار الإيراني كمدخل لإعادة صياغة مشهد السلطة في بغداد. هؤلاء لم يكونوا مجرد محللين أو ناشطين عابرين، أو أبواق فردية معزولة عن المشهد، تعبر عن مواقف شخصية، بل كانوا أدوات خطابية مكشوفة لمشروع تطبيع داخلي يُراد له أن يكتسح المجال السياسي العراقي من بوابة النكاية بإيران.
لكن الضربة الإيرانية لم تُسقط فقط الأقنعة الصهيونية، بل أماطت اللثام عن الهشاشة العميقة لأولئك “الجولانيين الجدد”، الذين تبنّوا سرديات نتنياهو كما لو كانت أقداراً مقدسة. انهارت رهاناتهم مع انهيار سردية “إسرائيل التي لا تُقهر”. لم يسقطوا أمام الصواريخ، بل أمام المرايا، حين أدركوا أن كل ما بنوه من آمال على التحالف الأميركي-الإسرائيلي كان مجرد سرابٍ يعيد إنتاج الهزيمة.
المشهد اليوم أكثر تعقيداً من مجرد جولة عسكرية. نحن أمام إعادة تعريف للمسرح الإقليمي: الردع لم يعد امتيازاً إسرائيلياً، والحرب لم تعد تُدار من طرف واحد. الخطوط الحمراء التي كانت تُرسم من تل أبيب وواشنطن باتت موضع مساءلة، والخصم الإيراني بات أكثر حيوية، وأقدر على إرباك الخصم وإعادة رسم توازن الرعب، ولو بشكل موقت.
أما في العراق، فقد آن أوان المراجعة الجذرية: ثمة قوى داخلية رهنت نفسها للمشروع الصهيوني دون أن تدرك أنها لا تمثل سوى ظلاً هشاً لمعادلات أكبر منها. سقطت هذه القوى أخلاقياً، لا لأنها انهزمت سياسياً فحسب، بل لأنها فقدت حس التقدير الوطني، وأصبحت رهينة أوهام الخارج، وسرديات العدو، وتحليلات الإعلام العبري.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر