قطار السعادة …..هند زيتوني

منبر العراق الحر :
ثمّةَ نارٌ تضيء وتُحرق، و ثمّةَ نهرٌ يروي ويُغْرِق .
ثمّةَ صباحٌ يثيرُ فيكَ شيئاً من البهجة أو الضجر… هناك ليلٌ يلملمُ وجعَ النهارات

ويبذرها في روحك المتعبة… ثمّة رغباتٌ غامضةٌ تثيرُ فينا شيئاً من الارتياب و

القلق رغباتٌ مدفونةٌ لم تمت، قد تصحو فجأةً مثل أفعى نائمة ، تلتفُّ حول

عنقك ،تتركُ هسيسَها في أذنيك ثمّ تتلوّى وتغادرُ لتبحثَ عن شيءٍ مبهم .
زرعتَ آمالَك في كلِّ الأمكنة ولم يمرَّ قطارُ السعادة وأنتَ تحمل حقيبة أحلامك…

عيناك مثبتتان على شيء مجهول… تسأل نفسك: “هل مازال هناك أيُّ شيء

يستحق أن نقاتلَ أو نعيشَ لأجله ” ؟ وهل نحتاجُ إلى الشجاعةِ لنكونَ سعداء ؟ أو

حتى محبوبين
من الآخرين ؟
تركض… تجري…تهرول ، ثمّ تمشي ببطءٍ وتتعثَّر، تخافُ أن تسقطَ في حفرة

الانتظار… تنظرُ إلى الفضاء… ترى نجمةَ الحظِّ تلمع، تحاولُ أن تخطفَ بصرَك و

تبتسمَ بخبثٍ و تسخرَ من هزيمتك… كأنّك كنتَ تنتظرُ معجزةً لتمحوَ كل هذا

الخراب… لكنّ المعجزةَ لم تأتِ وربما لن تأتي أبداً .
هذا الطريقُ الذي اعتادَ أن يشربَ خطاك ، يدمي قدميك المتعبتين . تتساقطُ

أوراقُ حياتك مع أن الربيعُ لم يغادرْ بعد… زهرةُ شبابك وقعت على الأسفلت

فجرحتْ وجهَه وتلاشت… يجتاحُك شعورٌ باللاجدوى واليأس المرير… وكأنك

أصبحتَ عشبةً سامّة، نمَتْ في حقل من حقول القمح الذهبي، عشبةً غريبة… تمَّ

اقتلاعُها بلا ندم.
تشعرُ بأنَّ هذا العالمَ تبدَّل ….!
عالمٌ حقيرٌ لا يأبه لأنينِ مريض ولا لصرخةِ مجنون أو عاقل .!
خيطٌ واهنٌ جداً ذلك الذي يفصلُ بين العقلِ والجنون، الغباء والحكمة، الحقيقةِ

والسراب…
وأنتَ تحفرُ بمخالبِ وحشٍ مفترسٍ… وجه الصخر الأملس، من أجل أن تحظى

بحفنةٍ ضيئلة من فتات الوهم .
عالمٌ مريضٌ أصبحَ يجرُّ سكَّانه إلى الجحيم، وكأنَّ هذه الأرضَ قد ضاقتْ بسكَّانها

ولم يعدْ هناك أمكنةٌ فارغةٌ تتَّسعُ للجميع… تكاثرتْ أوجاعُكَ حتى كادت تخرجُ من

الجدران وتتسرَّبُ من رئةِ الوقتِ اللعين… هذا الحزنُ الأبديُّ يدفعُكَ للحيرة والشك

وقد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من السقوط في وادي الانهيار… أصبحتُ

مقتنعاً لا حاجةَ لحمل السِّلاح للدفاع عن أي شيء، ولا حتى عن نفسك .
ليستِ الحيرةُ إلاّ رجلاً لم تحبَّه امرأة ولم تسلِّمه مفاتيحَ قلبها . ربما كانت تبحثَ عن

سُلَّمٍ تتسلّقه لتتذوَّقَ طعمَ الشهرة… أو ربما كانت امرأةً تحملُ حزنَها وحنينها، صخرَ

أيَّامها وملحَ دموعها بيدٍ واحدة ولا تسقط .!
ليست الخيبة إلا أطفالاً صغاراً يبتسمون طيلة الوقت، يصنعون ألعابهم من

الحديد والحجارة،
ويبنون قلاعاً من طين الوقت ليقتلوا لحظات الملل… يذهبون إلى المدرسة،

ليحلموا بغدٍ أفضل… وحين يكبرون يكتشفون بأنّ وطنهم كان مصلوباً، ومدنهم

كانت أنهاراً تحترق… وشمس أحلامهم لم تعد تشرق أبداً… بيوتهم فارغة من رائحة

الطعام والمال…
جيوبُ والدهم مثقوبةٌ بالفقر والمذلة.
وأمُّهم كانت تعملُ عاملةَ نظافة في إحدى المدارس… تأكل من كفّ حياةٍ لا

تسمنُ ولا تغني من جوع… وبعد رحيلها يتذكَّرون كلَّ القصص التي كانت ترويها

لهم عن الحب والأمل، الشجاعة والخوف، فيتبيَّنُ لهم أنهم كانوا يعتاشون على

حكاياتِ الوهم والأساطير، ويشربون من كأس الأمنيات الكاذبة..
والحقيقة التي تتَّضحُ لهم من بعد كلِّ هذا العناء…أنهم الآن يقفون وجهاً لوجه مع

الحياة والموت، لا يفصل بينهما إلا شعرة رقيقة كُتبَ عليها:
” نعيشُ بأثوابٍ صُنعتْ لنا من قبل أن نولد، حتى ولو لم تكن صُنعَتْ على

مقاساتِنا “

اترك رد