منبر العراق الحر ::
يا أبي
لم يتغير شيء
سأطمس وجه المرأة التي تتلبس روحي
أجدل شعرها
ثم
سأرتدي ثوبا يليق بطفولتي
وأعود حيث كُنتُ أضحك بلا قيد
وأبكي بلا مبرر
كأنما أفتقد الحاضر في حضن الماضي.
سأبكي طويلًا
حتى تشتري لي أمي الحلوى
ثم أضحك بصوتٍ صافٍ
وكأن الحزن لم يطأ قلبي قط
…
في طفولتي
سُرِقت دميتي على مضض
ذات يوم تخيلت الأمان
رأيتُه ربَّ هذا البلد
خبأتها تحت درج البيت
وعدتُ أبحث عنها
بلهفة طفلة واثقة
لكن خاب ظني.
واليوم…
أخشى أن أنجب طفلة
أخشى أن أضعها أمام أول درجة
من سُلَّم الحياة
فتسرقها الطرقات
تتيه بوصلة العودة
وتبقى وحيدة بلا درب
للرجوع إليّ.
….
فضلت الرقص على الصلاة
الليل على فضيحة الصباح
الصمت على شعر مكشوفة رغباتي به
وان اللأحق الذئب على أن أرضى بنصيحة
ام ليلى..
….
إنا القطف الثاني
من غصن شجرة أبي
لستُ الأولى
التي تفيض بالندى بعد العطش
ولا الأخيرة
التي تستقبل المدى بعد غربةٍ طويلة
إنا القطة النائية
التي لا يراها أحد
سوى وحش الحزن
الذي تلبسني
وتظلُّ أسئلته تلاحقني
من أين أبدأ؟ وأين ينتهي الظلام؟
…
أرعى حقل الورود المتفتح
وأزرع خراف الحديقة في سكونها
أبحر في أعماق الغابة، بين ظلالها
وأتجول في البحر، حيث الزرقة بلا نهاية
أحضن الغيمات الهائمة في السماء
وأغسل الغربان الميتة بدموع الغيمات
لأدفنها في قبر صدري
حيث الحنين لا يموت
….
لا انتمي لجيلٍ
يكبرني الصغار
ويصغرني الكهل
أضيع في ضياع الأمس
وأغرق في جراح الغد
أطعن سكاكين اليوم
وأسمع صدى آلامي في صوت أخي
وحيدةٌ في الكابوس
وحيدةٌ في يقظة الأمل الضائع
وحيدةٌ في رحم أمي
وحيدةٌ في ظلال ذكرياتي
ضائعةٌ في عدمٍ لا يلحظه أحد
جئت على عجلة
ونسيتُ حقائبي
في ظهر أبي الخائب.
…
سأخلع كفي
وأداري عيون بصيرتي
سأرتدي مخالب لبؤة
وثياب فزاعة غريبة
سأغرس جذوري في حقل الحلم
ليزهر في العيون ما لا يُرى
لن تخاف العصافير
من ملامحي الطيبة
سأكون في الأرض خرابًا مقدرًا
وشبحًا يعبر دروبًا مهجورة
ففي حضرة دناستي
سأمشي على الأطلال بلا خوف
….
قد عشتُ في الماضي
لفترةٍ قصيرة
التقينا
فبعث الله في جسدي الروح
أضاءت لحظاتنا السماء
وعشتُ حلمًا سحيقًا
لكن سريعًا ما انقضى العمر كالحلم الهارب
فسحب الله من قلبي نبض الحياة
وأخذتْ مني الأيام كل أملٍ
انتهت قصتي
وسقطتُ في قبر الوداع
غارقةً في تراب الوحدة
لا صوت ولا نور.
….
خلقَ أبي بتشوّهه العظيم
حملَهُ كظلٍّ لا يفارقه
كندبةٍ عتيقةٍ في روحه
سكنهُ لسنواتٍ طويلة
حتى صارَ ملامحَهُ، صوتَهُ، صمتهُ.
لكنني حين نَبَتُّ في رحم أمي
حين صارَ له جسدٌ آخر ينمو
تقلّص الوجعُ داخله
انسلتْ منه التشوهاتُ كأنها لم تكن
تحرر منهُ كأنني شفاءُ جرحهِ الأول
كأنني بدايةٌ أخرى له
لم يُولد بها، لكنه وجدها فيَّ.
رنيم نزار
منبر العراق الحر منبر العراق الحر