منبر العراق الحر:
في علم النفس، يُقال إن اللسان مرآة اللاوعي؛ فما يخرج في انفعال متكرر لا يُعد صدفة ولا مجرد “هفوة”.
سيغموند فرويد كتب ذات مرة: “لا توجد زلّات لسان بريئة، إنما هي رغباتٌ مكبوتة تبحث عن مخرج.”
فإذا تكرر الجرح بالكلمات، فذلك ليس عثرة عرضية، بل مؤشر على شعور دفين أو موقف داخلي راسخ.
التكرار ليس اعتذارًا بل إصرارًا
الكلمة حين تُقال مرةً قد تُغتفر بدعوى الغضب، لكن حين تُعاد مرارًا تصبح قناعة أكثر منها رد فعل.
النفسيون يرون أن التكرار اللاواعي يكشف عن الاعتقاد الجذري للفرد تجاه من أمامه.
وهنا تتجلى خطورة المشاعر السلبية: فالجملة المؤذية إذا أعيدت، صارت إعلانًا داخليًا عن حقيقة شعورية لا يمكن إنكارها.
هل يُشفى الجرح بالمسامحة المتكررة؟
من منظور العلاج النفسي، التسامح قيمة راقية تعكس الصحة النفسية، لكن حين يتحول إلى عادة بلا حدود يصبح وسيلة لفتح الباب أمام جروح جديدة.
كارل يونغ كتب: “ما نتسامح معه يتكرر، وما نضع له حدًا يتوقف.”
فكم مرة علينا أن نسامح؟
وإلى أي مدى يبقى العفو فضيلة إذا صار وسيلة للآخر كي يعيد جرحنا في كل فرصة؟
بين الغضب الصحي والغضب المدمّر
علم النفس يفرّق بين الغضب العابر الذي يذوب مع الموقف، والغضب المترسخ الذي يكشف عن عدوانية دفينة.
الأول قد يكون “سهوة”، أما الثاني فهو نهج شعوري يتلبّس صاحبه ويُفرغ نفسه عبر كلمات جارحة.
والسؤال الأهم: هل يجوز أن نسمّي ما يتكرر “هفوة”؟ أم هو موقف داخلي يخرج بغير أقنعة؟
أين نقف نحن؟
المسامحة مطلوبة كي لا نحمل أعباء الكراهية، لكن إعادة الفرصة مرارًا لمن يثبت عكسه ليست حكمة، بل قسوة على الذات.
القرآن الكريم يقول: “ولا تزر وازرة وزر أخرى”؛ أي أن النفس لا تحتمل أوزارًا إضافية لم تصنعها.
فلماذا نحمل على عاتقنا أوزار كلمات لم نخترها؟
خمس نصائح عملية من علم النفس
1. ضع حدودًا واضحة: أخبر من يجرحك أن التكرار غير مقبول.
2. راقب التكرار: كلمة واحدة قد تكون هفوة، لكن تكرارها مؤشر لا يُستهان به.
3. عبّر عن شعورك بصدق: لا تُخفي الأذى تحت قناع الصبر فقط…( الصوت العالي، الاتهام الكاذب ، الاسقاط..)
4. أعد تقييم العلاقة: من يصرّ على جرحك لا يستحق نفس المساحة في حياتك.
5. تذكّر قيمتك الذاتية: لا تجعل التسامح المستمر بوابةً لامتهانك.
💔 الخلاصة:
الكلمة إذا خرجت في لحظة غضب قد تكون سهوة، لكن إن تكررت فهي رسالة صريحة من اللاوعي.
والتسامح قيمة عظيمة، لكن لا ينبغي أن يكون رخصةً لإعادة الإيذاء.
فمنح الفرص ليس دومًا كرمًا؛ أحيانًا هو إذنٌ متجدد للآخر كي يجرحنا من جديد…
منبر العراق الحر منبر العراق الحر