منبر العراق الحر :
في تاريخ الشعوب، لم يكن الجهل يومًا مجرد نقص في المعلومات، بل كان أداة حكم وأسلوب سيطرة. فالمجتمع الذي يغيب عنه الوعي النقدي ويُحرَم من أبسط أدوات التفكير والتحليل، يصبح كالسفينة بلا بوصلة، يُقاد حيث يشاء الحاكم، ويُستَغل كما تشتهي مصالحه. الجهل هنا لا يعني عدم القدرة على القراءة أو الكتابة فحسب، بل يعني تغييب العقل عن التساؤل، وإقصاء الفكر عن النقد، وتحويل المواطن إلى مجرد تابع، يُصفّق حين يُطلب منه التصفيق، ويسكت حين يُراد منه الصمت.
⸻
الجهل كآلية للسيطرة
علم النفس السياسي والاجتماعي يوضح لنا أن الجماهير حين تُحرَم من الوعي، تصبح أكثر قابلية للتوجيه عبر العاطفة والخوف بدلًا من العقل والمنطق. لذلك تسعى الأنظمة المستبدة إلى إدامة الجهل، لأنها تعلم أن الإنسان الواعي أصعب على الترويض، وأكثر قدرة على المطالبة بحقه والمشاركة في بناء وطنه. الجهل هنا لا يهدد الفرد فقط، بل يهدد أمن المجتمع واستقراره، لأن مجتمعًا بلا وعي هو مجتمع هشّ، قابل للاختراق، سريع الانقسام، وسهل الانقياد.
⸻
الوعي كأداة نهضة وأمن
في المقابل، زراعة الوعي ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. الوعي هو ما يجعل المواطن يفهم دوره كحارس للقيم، وشريك في القرار، ومسؤول عن أمن وطنه واستقراره. المواطنة الحقيقية لا تتحقق بالشعارات، بل تبدأ بالعلم، بالقدرة على التمييز بين الحقائق والدعايات، وبالشجاعة في قول “لا” حين يكون الصمت خيانة.
إن الاستثمار في التعليم والتفكير النقدي ونشر الثقافة ليس مجرد إصلاح اجتماعي، بل هو تحصين للأمن الوطني. لأن المواطن الواعي يدرك أن حماية وطنه تبدأ من وعيه، وأن النهوض لا يتم إلا إذا تحوّل الشعب من جمهور يُقاد إلى مجتمع يفكر ويشارك ويحاسب.
⸻
نحو مستقبل مختلف
إذا أردنا أن ننهض، فعلينا أن نُعيد تعريف علاقتنا بالعلم والمعرفة. علينا أن نُدرك أن بناء وطن قوي لا يتم عبر تكثير الجنود فقط، بل عبر صناعة عقول تفكر بحرية ومسؤولية. فالمواطن المتعلم الواعي هو الجدار الأول ضد الاستبداد، وهو الجسر نحو غدٍ أكثر عدلًا وكرامة.
⸻
الخلاصة
الجهل أرض خصبة للاستعباد، والوعي بذرة الحرية. فإذا أردنا وطنًا آمنًا، علينا أن نزرع الوعي في كل بيت ومدرسة وجامعة، وأن نحمل راية المواطنة بمعناها الأصيل: مسؤولية قبل أن تكون حقًا، وواجبًا قبل أن تكون امتيازًا.
⸻
#د_كريمة_الشامي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر