الرؤساء والسيادة : من يواجه خطر الاعتقال بعد فنزويلا ؟..د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :ان مسألة اعتقال رئيس دولة أخرى هي من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في السياسة الدولية، لأنها تتداخل مع سيادة الدولة والقانون الدولي وموازين القوة العالمية وليس مع طبيعة أو شخصية الرئيس نفسه وبعد حالة فنزويلا أصبح النقاش حول من قد يكون الرئيس التالي الذي يتعرض لمثل هذا المصير موضوعًا محوريًا للباحثين في السياسة الدولية والمراقبين للشؤون الأمنية ولكنه سؤال لا يمكن الإجابة عنه باسم بعينه لأن الاعتقال لا يتم على أساس اسم أو موقف سياسي بل على أساس شروط محددة تجعل الدولة المستهدفة ضعيفة ونظامها هش ورئيسها عاجز عن حماية سيادته.

الرئيس يصبح معرضًا لأي تدخل خارجي عندما تنهار مؤسسات دولته ويتفكك الجيش أو يفقد ولاءه ويصبح اقتصاد الدولة ضعيفًا وغير قادر على الصمود وعندما تتآكل الشرعية السياسية داخليًا ويصبح المجتمع منقسمًا وعندها لا يكون الرئيس محميًا من أي نوع من الضغوط سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو قانونية أو حتى عسكرية.

الاعتقال بهذا المعنى لا يتعلق بالتحليل الشخصي للرئيس بل بتحليل بيئة الدولة نفسها وقياس مدى قدرتها على الدفاع عن سيادتها وفرض سلطتها داخليًا وخارجيًا وأي رئيس لدولة ضعيفة سيصبح معرضًا لنفس المخاطر التي واجهها رئيس فنزويلا سواء عبر ملاحقات قضائية دولية أو ضغوط سياسية أو تهديدات مباشرة بالانقسام الداخلي أو ضغوط اقتصادية تجعل الدولة رهينة للعقوبات الخارجية.

ما يميز حالة فنزويلا هو أنها جمعت كل الظروف المهيئة لصناعة هذا الاحتمال : عزلتها دوليًا جزئيًا والعقوبات الاقتصادية الطويلة الأمد الانقسام الداخلي الحاد فقدان السيطرة على مؤسسات الدولة الحيوية والانكشاف السياسي أمام القوى العالمية الكبرى أي رئيس آخر إذا تعرضت دولته لمثل هذه الظروف يصبح معرضًا لنفس النوع من الضغط ولكن هذا لا يعني أن هناك شخصًا محددًا سيحدث له اعتقال حتمي لأن السياسة الدولية لا تعمل بقائمة انتظار للأسماء، بل بموازين القوة والظروف الدولية.

القانون الدولي لا يمنح أي دولة أو رئيس سلطة اعتقال رئيس دولة أخرى إلا في حالات نادرة للغاية مثل سقوط الدولة بالكامل أو وجود تفويض دولي محدد وحتى في هذه الحالات يبقى التنفيذ صعبًا ومعقدًا وملحقًا بعواقب سياسية خطيرة لأن أي خطوة من هذا النوع تخلق سابقة تهدد النظام الدولي بأكمله والدور الفعلي لأي رئيس دولة في هذا السياق عادة ما يكون غير مباشر فهو يمكن أن يمنح الغطاء السياسي أو يوجه سياسات العقوبات أو يفرض عزلة دبلوماسية، أو يضغط على مؤسسات دولية للتعامل مع الرئيس المستهدف ولكنه لا يعتقل بشكل مباشر، لأن هذا سيعد انتهاكًا صارخًا للسيادة ويعرض دولته لرد فعل دولي عنيف.

الرؤساء الذين يمكن أن يُنظر إليهم كأهداف محتملة هم أولئك الذين تعاني دولهم من هشاشة داخلية ضعف اقتصادي انقسام مؤسسات الدولة وفقدان ولاء الجيش أو قادة الأمن، مع وجود اتهامات دولية قابلة للتدويل لكن حتى هؤلاء ليسوا عرضة للاعتقال إلا إذا فقدت الدولة بالكامل القدرة على حمايتهم، وعندها يصبح الرئيس مجرد عنصر في لعبة القوة السياسية الدولية لا شخصًا يحكمه القانون فأي رئيس لدولة قوية أو مستقرة لن يكون معرضًا لمثل هذا الاحتمال حتى لو ارتكب أخطاء جسيمة لأن القوة الحقيقية للدولة والقدرة على الدفاع عن سيادتها تحمي رئيسها والعكس صحيح أي رئيس لدولة ضعيفة يصبح هدفًا محتملًا ليس بسبب شخصيته أو أفعاله وحدها بل بسبب ضعف الدولة نفسها وتفكك نظامها الداخلي.

ما بعد فنزويلا يعلمنا أن السياسة الدولية تتجه نحو استخدام القوة والضغط أكثر من الاعتماد على القانون وحده وأن أي رئيس دولة معرض فقط بقدر ما تعجز دولته عن حمايته وليس بالضرورة بسبب تصرفاته أو أخطائه ففي النهاية السؤال الحقيقي ليس من هو الرئيس التالي الذي قد يُعتقل بل أي دولة ستكون القادمة التي تفقد قدرتها على حماية سيادتها وعندها يصبح رئيسها مجرد اسم قابل للإزالة وقانون الحصانة مجرد غطاء نظري لا يحمي من واقع القوة السياسية والعسكرية الدولية.

إن فهم هذا المنطق هو المفتاح لفهم المخاطر التي تواجه أي رئيس دولة ضعيفة ويظهر أن الاعتقال ليس مسألة شخصية أو قضية فردية بل انعكاس لهشاشة الدولة نفسها في مواجهة التحديات الدولية المعقدة وما بعد فنزويلا يوضح أن الأمن والسيادة الحقيقية للرؤساء تتحدد بقدرة الدولة على الدفاع عن نفسها وليس بوجود قانون دولي يمنع الاعتقال.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد