المبدعون في مأزق والمنحة المالية أنتظار بلا نهاية….د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :…

المبدعون في مأزق والمنحة المالية أنتظار بلا نهاية : من يقف وراء تأخير صرف منح الأدباء والفنانين والصحفيين والشعراء ؟

عالم يُفترض أن يكون الإبداع والفكر جزءًا أساسيًا من نسيج المجتمع نجد اليوم أن الأدباء والفنانون والصحفيون والشعراء بل وكل مَن ينتظر المنحة المالية لدعم مشاريعه أو مواصلة إنتاجه يعيشون مأزقًا غير مسبوق مأزقًا ينهش وقتهم وإبداعهم ويزرع فيهم شعورًا بالإحباط المستمر والخذلان العميق والمنح التي من المفترض أن تكون دافعًا وحقًا ثابتًا لتشجيع الإبداع تتحول إلى لعبة من المماطلة والتسويف حيث تُترك الملفات لأشهر في الإدارات تتنقل بين موظف وآخر بين توقيع ومراجعة بينما المبدع يبقى في حالة ترقب دائم غير قادر على التخطيط لمستقبله ومعتمد على وعدٍ يبدو بلا قيمة وكأن حلمه ووقته وأعماله مرهون بإجراءات إدارية لا تنتهي
وتأخير صرف المنح ليس مجرد خطأ إداري عابر بل أصبح سياسة متكررة تكشف عن عمق الأزمة بين المؤسسات والمبدعين.

ففي كل مرة يعلن فيها عن صرف المنح يتضح أن هناك فجوة ضخمة بين الإعلان والواقع فجوة تُفسر أحيانًا بمحسوبية سياسية أو تحكم جهات معينة في موارد الدولة أو حتى فساد مالي يعيق وصول الدعم إلى مستحقيه وهذه المنح التي كان يُفترض أن تمثل حقًا للكاتب على كتابته أو للفنان على إنتاجه أو للصحفي على تغطيته للأحداث تصبح رهينة لمعادلات غير شفافة حيث يُفضل البعض على حساب الاستحقاق ويُترك المستقلون أو المنتقدون في دائرة انتظار طويلة ومحبطة.

الأثر النفسي لهذا التأخير عميق جدًا فهو يزرع شعورًا بالخذلان ويقود إلى إحباط كبير والفنان الذي كان يخطط لمشروع طويل الأمد يجد نفسه عاجزًا عن شراء أدواته أو تمويل إنتاجه والصحفي الذي يعتمد على المنحة لإكمال تحقيقاته يجد نفسه عاجزًا عن تغطية قضايا الجمهور بحرية والشاعر الذي ينتظر الدعم لطباعة ديوانه أو المشاركة في مهرجانات دولية يصبح رهين القلق والتردد ويشعر أن جهوده بلا قيمة أمام جدار الإدارات والبيروقراطية.

كل يوم تأخير يحرم المجتمع من صوته الثقافي والإبداعي ويضعف الحياة الفكرية والفنية والإعلامية ويترك فجوة كبيرة بين الجمهور والمبدعين الذين يفترض أن يكونوا العمود الفقري للفكر والوعي في أي مجتمع
وتأخير صرف المنح يحمل أيضًا أبعادًا سياسية واضحة إذ غالبًا ما يُستغل هذا التأخير للضغط على المبدعين أو للتحكم في محتوى أعمالهم وفي كثير من الحالات يتم منح الدعم للأشخاص الموالين للسلطة أو المتوافقين مع الخط الرسمي بينما يُترك المستقلون أو المعارضون في حالة انتظار لا نهاية لها.

هذا الأسلوب يحول الدعم إلى أداة للسيطرة على الفكر والثقافة بدل أن يكون تشجيعًا للإبداع ويزرع شعورًا بعدم العدالة بين المبدعين ويقود إلى فقدان الثقة بالمؤسسات الثقافية والإدارية والفساد البيروقراطي والمالي يزيد من عمق المشكلة حيث تُحبس الأموال في حسابات البنوك أو تُصرف لأغراض أخرى قبل أن تصل إلى المستحقين وتظل الملفات تتنقل بين الإدارات دون أي التزام حقيقي بصرف المنح في وقتها المحدد.

على المستوى الاقتصادي يؤدي هذا التأخير إلى تعطيل مشاريع كاملة وتقليل القدرة الإنتاجية للفنانين والصحفيين والشعراء ويخلق حالة من التبعية حيث يصبح المبدع مضطرًا للانتظار والرضوخ أحيانًا لمطالب أو ضغوط خارج نطاق عمله الإبداعي وهذه الظروف تؤثر على جودة الإنتاج وتقلل من فرص المشاركة في المشاريع الثقافية والفنية والإعلامية مما يجعل الاقتصاد الإبداعي ككل يعاني ويخلق بيئة غير محفزة للابتكار أو التطوير.

إن حل هذه الأزمة لا يمكن أن يأتي من مجرد وعود بل يحتاج إلى إعادة هيكلة كاملة للآليات الإدارية والمالية للمنح، مع وضع جداول زمنية محددة وملزمة لصرف الأموال، وإنشاء هيئة رقابية مستقلة تضمن الشفافية والعدالة وتمنع التدخلات السياسية أو المحسوبية كما يجب أن يتوفر لكل مبدع حق قانوني في المطالبة بصرف منحه عند أي تأخير مع توفير آليات للطعن أو الاعتراض تضمن عدم استخدام المنح كأداة ضغط بل كحق أصيل ومستحق لكل من يعمل لإثراء المجتمع فكريًا وفنيًا وإعلاميًا.

إن التأخير المستمر في صرف المنح ليس مجرد إخفاق إداري بل اختبار حقيقي لمصداقية الدولة وثقافتها في التعامل مع المبدعين الذين يشكلون الوعي الثقافي والفكري للمجتمع والمبدعون ليسوا مجرد مستفيدين من دعم مالي بل هم صناع الفكر والثقافة وهم المرآة التي تعكس صورة المجتمع وتحدد مستقبله وعندما يُترك هؤلاء في مأزق دائم بلا دعم، يتحول الإبداع إلى صمت والمشاريع إلى رهائن للبروتوكولات والإجراءات البيروقراطية والمجتمع كله إلى نسخة ضعيفة بلا قدرة على التجدد والإنتاج.

كل يوم تأخير يمثل خسارة مزدوجة على المستوى الفردي، حيث ينهار حلم المبدع ويضعف إنتاجه وعلى المستوى الجماعي حيث يفقد المجتمع جزءًا من صوته الثقافي والفكري والإبداعي وفشل في معالجة هذا التأخير يعكس فقدان الثقة بين الشعب ومؤسساته ويضعف الأسس التي يُبنى عليها مستقبل الثقافة والإبداع والفكر المستقل.

المبدعون يحتاجون اليوم إلى تحرك فوري إلى شفافية مطلقة، إلى عدالة كاملة في صرف حقوقهم المالية ليتمكنوا من الاستمرار في البناء والإبداع دون أن يكونوا رهائن للبيروقراطية أو للضغوط السياسية أو المالية وإن كل لحظة تأخير في صرف المنح ليست مجرد لحظة ضياع للمال بل هي لحظة خسارة للإبداع وضربة لصوت المجتمع الحر وإهدار لطاقات وإمكانات يستحق المجتمع أن تُستثمر في خدمة الفكر والفن والثقافة.

الدولة التي تتأخر في دعم المبدعين تفقد فرصة استثمار رأس المال الحقيقي الذي يملكه شعبها وهو الإبداع والفكر والقدرة على التعبير وتترك المبدعين في مواجهة صعبة مع الواقع بينما المستقبل يتكدس بلا مشاريع حقيقية ويظل السؤال الأكثر إلحاحًا : متى ستنتهي هذه المماطلة ؟
متى سيبدأ الاعتراف بحقوق هؤلاء الذين يصنعون الفكر والثقافة والإعلام ويشكلون وعي المجتمع وروحه؟
ومتى تتحول المنح المالية من وعد إلى حق حقيقي ومستمر للمبدعين؟
الإجابة على هذه الأسئلة هي اختبار حقيقي لنضج الدولة والتزامها بالعدالة والشفافية ولقد آن الأوان لأن يرى المجتمع كله أن الدعم للمبدعين ليس خيارًا أو ترفًا، بل ركيزة أساسية لبناء مجتمع مثقف واعٍ وإبداعي قادر على مواجهة تحديات العصر بكل قوة وثبات.

د.رافد حميد فرج القاضي

 

اترك رد