الإنسان واختلاف إدراك الواقع …الكاتب: عائد ماجد

منبر العراق الحر :

جميعنا نلاحظ أن البشر مختلفون في طريقة إدراكهم للواقع والعالم؛ لاختلاف نظراتهم لهذا العالم، وهو ما يمكن أن يكون محيِّراً للوهلة الأولى إذا فكرنا به بطريقة معيَّنة: لماذا نختلف في نظرتنا أصلاً؟

إذا جلبنا توأمين، وفصلنا أحدهما عن الآخر، وربَّينا كلًّا منهما في بيئة مختلفة، فلا شكَّ أن التشابه الوحيد بينهما سيكون في الشبه الخارجي والوراثي البيولوجي؛ فسيختلفان، بحكم البيئة المختلفة، في حكمهما على ما هو جميل وغير جميل، منطقي وغير منطقي، ممتع وغير ممتع، أخلاقي وغير أخلاقي. فنحن نرى العالم حسب حياتنا وتجاربنا وبيئتنا وما تلقَّيناه من معطيات. لهذا لاحظنا أن التأثير البيولوجي عند التوأم، الذي من شأنه التأثير على أفكارهم، أقلُّ تأثيراً من التأثير البيئي؛ لأن أدمغتنا تبني العالم في نظرها من جهتين: من الجهة البيولوجية مرة، ومن الجهة البيئية مرة أخرى، بناءً على ما عشناه وما جرَّبناه خلال حياتنا.

كان هناك سؤال يراودني دائماً عندما كنت أرى شخصاً معيَّناً يحب طعاماً ما أنا أكاد لا أطيق رائحته أصلاً؛ فبكل تأكيد أن الطعم مختلف بالنسبة لكلٍّ منا. فكنت أتساءل: كيف يبدو طعم هذا الطعام بالنسبة له؟ رغم أن الطعام هو نفسه، لكننا نختلف في تقبُّلنا لهذا الطعام بشكل مختلف تماماً. كذلك الموسيقى؛ فكثيراً ما نجد أشخاصاً لا يحبون مقطوعة موسيقية أو أغنية نحن نُدمنها، لا لأن الموسيقى مختلفة، بل لأن نظرة كلٍّ منا لهذه الموسيقى مختلفة. فنحن نتذوَّق الطعام، ونستمع للموسيقى، ونقرأ الشعر، ونتعاطى مع الواقع بناءً على مفهومنا العقلي الخالص؛ لأن هذه الأمور مختلفة عن الأمور الغرائزية التي يعلم دماغنا عملها بيولوجياً ووراثياً. فاليوم لا يوجد فرق في نظرتنا البيولوجية لممارسة الجنس؛ فهي واحدة تقريباً كمفهوم وغريزة، لأنها تطوَّرت وظلَّت مع الإنسان لحفظ نوعه، كذلك هي في الحيوانات الأخرى كغريزة. لكننا نختلف في ما هو ليس غرائزياً؛ فذوقنا الموسيقي، وحبُّنا لنوع من الطعام، وقراءتنا لنوع من الكتب، وحبُّنا لنوع من الأفلام، وحبُّ ممارستنا لنوع من الرياضة، ليس أمراً غرائزياً تطوَّر معنا وبقي للحفاظ على نوعنا، بل هي أمور تمدُّنا بها الثقافة والمحيط والبيئة، وغيرها من الطرق التي مدَّتنا بأفكارنا ومفاهيمنا، مُشكِّلةً التجارب والمفاهيم التي يعتمد عليها دماغنا في النظر للعالم وإدراك الواقع.

اترك رد