منبر العراق الحر :….قراءة نقدية في كتاب الأصول الثقافية للمعرفة البشرية لـ مايكل توماسيلو…
يُعدّ كتاب الأصول الثقافية للمعرفة البشرية أحد أهم الأعمال المعاصرة التي أعادت تعريف العقل الإنساني بوصفه نتاجًا ثقافيًا جماعيًا، لا حصيلة ذكاء فردي منعزل. فقد قدّم مايكل توماسيلو تفسيرًا مؤثرًا لكيفية تشكّل المعرفة عبر التعلّم الثقافي، والقصدية المشتركة، وتراكم الخبرات عبر ما سمّاه «رافعة الثقافة». غير أن هذه الأطروحة، على قوتها العلمية، تترك سؤالًا فلسفيًا جوهريًا بلا جواب: لماذا بدأ الإنسان أصلًا في التواصل والمعرفة؟
يفترض توماسيلو أن التفاعل الاجتماعي هو نقطة البداية، وأن اللغة والمعرفة تولدان من رحم الثقافة. لكن التواصل ليس حدثًا محايدًا؛ إنه فعل موجَّه، والفعل الموجَّه يفترض دافعًا. هنا تبرز الحاجة بوصفها الشرط الوجودي الذي يسبق الثقافة نفسها. فالإنسان لا يتواصل لأنه تعلّم التواصل، بل لأنه واعٍ منذ البدء بأنه غير مكتفٍ بذاته.
الحاجة، في معناها العميق، ليست نقصًا بيولوجيًا أو مطلبًا اجتماعيًا طارئًا، بل وعي أولي بالذات بوصفها ناقصة ومفتوحة. ومن هذا الوعي تنشأ الحركة نحو الآخر، لا العكس. بهذا المعنى، تصبح الثقافة استجابة لاحقة لحاجة أسبق، لا أصلًا مؤسِّسًا بذاته.
وتتضح حدود الأطروحة أكثر عند تناول اللغة. فاللغة في الكتاب تُفهم بوصفها نظامًا رمزيًا لتخزين المعرفة وتنظيمها. غير أن اللغة، فلسفيًا، ليست أداة فحسب، بل استجابة وجودية لعدم الاكتمال. الإنسان يتكلم لأنه لا يملك المعنى كاملًا، ولأنه لا يستطيع أن يكتفي بذاته. ولو افترضنا، افتراضًا فكريًا، أن الإنسان اكتفى نهائيًا من الحاجة إلى التواصل، لما بقيت اللغة، ولا الأسئلة، ولا المعرفة ذاتها.
من هنا يبدو وهمٌ خفيٌّ في بعض القراءات العلمية المعاصرة، مفاده أن تراكم المعرفة يقود إلى نوع من الاكتمال. والحقيقة أن المعرفة لا تُنتَج لإنهاء الحاجة، بل لتوسيعها. فكل إجابة حقيقية تفتح سؤالًا أعمق، وكل معرفة تولّد حاجة جديدة. ولو انتهت الحاجة، لانتهت اللغة، ومعها تنتهي الإنسانية بوصفها حركة ومعنى.
لا يقلّل هذا النقد من أهمية إنجاز توماسيلو العلمي، لكنه يعيد وضعه في إطاره الصحيح: فالكتاب يشرح كيف تتراكم المعرفة، لكنه لا يجيب عن لماذا لا يستطيع الإنسان أن يتوقف عن المعرفة. والجواب يكمن في أن الحاجة ليست عيبًا ينبغي تجاوزه، بل شرط الحياة ذاته.
ويمكن تلخيص الموقف في عبارة واحدة صالحة للنقاش العام:
الإنسان لا يتواصل ليكتمل، بل يتواصل لأنه لن يكتمل أبدًا، ومعرفته ليست طريق الخلاص من الحاجة، بل سبيل إبقائها حيّة وقادرة على الخلق.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر