أسلوبُ السؤال في التعليم: كيف تُستعاد وظيفة العقل من مُخزِّن إلى مُصنِّع.. عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

لا تكمن أزمة التعليم في نقص المعلومات، بل في طريقة التعامل معها. فالمناهج تفيض بالمعارف، غير أن المتعلّم يُدرَّب غالبًا على حفظها لا على فحصها، وعلى استهلاك المفهوم لا على إنتاجه. هكذا يتشكّل عقلٌ مُخزِّن يراكم الإجابات، بدل عقلٍ مُصنِّع يُفكّك ويُركّب ويختبر.
التحوّل الجوهري يبدأ من أسلوب السؤال. فحين يتقدّم السؤال على الجواب، تتغيّر وظيفة العقل. سؤال «ما هو؟» يضبط المفهوم ويمنع الالتباس، وسؤال «لماذا؟» يعيده إلى شروط نشأته وسياقه، بينما يختبر «كيف؟» آليات اشتغاله وحدود فاعليته. بهذا التسلسل، لا يعود التعلم ترديدًا، بل بناءً معرفيًا منضبطًا.
تُظهر الممارسات الصفّية القائمة على الحوار المنهجي أن الطالب، عندما يُطالَب بصياغة السؤال قبل الجواب—أو بتحويل الجواب إلى سؤال—ينتقل من دور المتلقي إلى دور الشريك في إنتاج المعنى. عندها يصبح الخطأ فرصة تشخيص لا وصمة، ويغدو النقاش حول مصدر الخلل—هل في السؤال أم في الفهم؟—تمرينًا حقيقيًا على التفكير النقدي.
غير أن هذا التحوّل يصطدم غالبًا بعائق حاسم: نظام التقويم. فالتقويم الذي يقيس الحفظ يعيد إنتاج التلقين مهما تغيّرت المناهج. التقويم ليس إجراءً تقنيًا محايدًا، بل فلسفة معرفة متجسدة؛ ما يُقاس هو ما يُدرَّس، وما يُكافَأ عليه المتعلّم هو ما سيتحوّل إلى عادة ذهنية. لذلك، لا معنى لإصلاح تربوي من دون إعادة بناء التقويم ليقيس الفهم، والتحليل، والقدرة على صياغة السؤال.
إن اعتماد الحوار ليس ترفًا صفّيًا، بل منهج إنتاج معرفة. فالحوار المنضبط يحمي من الفوضى، ويمنع هيمنة الرأي الشخصي، ويُبقي النقاش مشدودًا إلى المفهوم. دور الأستاذ هنا يتحوّل من ناقل محتوى إلى مدير سؤال، ومن سلطة جواب إلى ضابط مسار تفكير.
في المحصلة، لا تُواجَه مقاومة تعليم السؤال لأنه غير ناجح—فالنتائج العملية تثبت العكس—بل لأنه يغيّر ميزان السلطة المعرفية. العقل الذي يتقن السؤال لا ينخدع بالشعار، ولا يسلّم بالمفهوم الجاهز، ويطلب دائمًا شروط الفهم قبل وعود النتائج. ولهذا بالذات نبّه عبد الله العروي إلى أن أزمة الوعي هي في جوهرها أزمة مفاهيم، وأن الفهم التاريخي والمنهجي شرط لأي تحديث فعلي.
استعادة وظيفة العقل من مُخزِّن إلى مُصنِّع تمرّ، إذن، عبر أسلوب السؤال: تدريب الأستاذ على المنهج، اعتماد الحوار بوصفه آلية مركزية، وترسيخ تقويم يقيس التفكير لا الترديد. عندها فقط يصبح التعليم فعلَ فهمٍ لا عمليةَ حفظ، وتغدو المدرسة فضاءً لإنتاج المعنى لا لتخزينه.

عبدالكريم حنون السعيد

اترك رد