الفوضى الخلّاقة : الخراب الذي لا يريدون إيقافه….عبد الكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

لم تعد الفوضى في عالمنا المعاصر حدثًا طارئًا أو انفجارًا غير محسوب، بل غدت في كثير من الأحيان حالة مُدارة، تُستدعى حين تنضج شروطها، ويُتحكَّم في توقيت ظهورها وحدّتها ومسارها. فالصراعات لا تنشأ من فراغ، لكنها أيضًا لا تتحرّك وحدها؛ إذ تتقاطع فيها هشاشة الداخل مع مصالح الخارج، في لحظة يصبح فيها الانفجار خيارًا لا صدفة.
الاستعداد للفوضى يتشكّل داخليًا عبر تراكم طويل من القمع، والضغط السلطوي، وغياب العدالة، وتآكل الثقة بين المجتمع والدولة. هذه الشروط لا تُنتج الفوضى فورًا، لكنها تهيّئ أرضيتها النفسية والسياسية. وعندما تتوفر هذه الأرضية، يأتي العامل الخارجي ليُعجّل الانفجار، ويوجّهه، ويعيد توزيعه بما يخدم أهدافه. هنا لا يمكن تبرئة الداخل بحجة التدخل، ولا اختزال الصراع في مؤامرة مكتملة؛ فالفوضى ثمرة تواطؤ بين قابلية داخلية وإدارة خارجية.
وغالبًا ما تُستخدم الفوضى لتفكيك الهويات الجامعة، ودفع المجتمعات إلى الانكفاء على هويات ضيقة طائفية أو إثنية أو قبلية. غير أن المفارقة تكمن في أن الفوضى، حين تطول، تُنهك هذه الهويات نفسها، وتدفع المجتمع – بعد استنزافه – إلى البحث مجددًا عن الهوية الوطنية بوصفها الملاذ الأخير من التفتت. بهذا المعنى، تبدو الفوضى أداة فعّالة في التفكيك، لكنها قصيرة النفس في إنتاج بديل مستقر.
ومن رحم الفوضى يولد أمراء الحروب وشبكات المصالح، الذين يصبح استمرار الصراع شرط وجودهم ونفوذهم. هؤلاء لا يعملون غالبًا كقوى مستقلة، بل كأذرع وظيفية لدول إقليمية وقوى كبرى، تُدار من خلالها الحروب غير المباشرة، وتُخفَّض كلفتها السياسية والعسكرية. غير أن تضخّم هذه الشبكات مع الزمن يحوّلها إلى عُقد معقّدة، يصعب تفكيكها حتى على من أسهم في إنتاجها.
الحروب غير المباشرة لا تهدف فقط إلى إدارة الصراع، بل إلى إفراغ المجتمعات من قدرتها على إنتاج قرار سيادي مستقل. فحين تُستنزف المجتمعات في البقاء اليومي، تُعاد صياغة أولوياتها من مشروع دولة إلى منطق نجاة، ومن أفق سيادي إلى تفاوض دائم على الحد الأدنى من الاستقرار.
الأخطر من ذلك أن الفوضى لم تعد مجرد وسيلة سياسية، بل تحوّلت إلى اقتصاد قائم بذاته. فالحرب تُنتج سوقًا، والفوضى موردًا، وإعادة الإعمار امتدادًا للصراع بوسائل أخرى. في هذا السياق، لا يعود إنهاء الفوضى هدفًا حقيقيًا، لأن استمرارها يخدم منظومات مصالح عابرة للحدود، تجد في الاضطراب بيئة مثالية للتوسع.
أما النخب المحلية، فلا يمكن وضعها في خانة واحدة. فهي تتوزع بين نخب شريكة واعية تستثمر في اقتصاد الصراع، ونخب مصلحية تتكيّف معه حفاظًا على مواقعها، ونخب ضحية أُعيد تشكيل وعيها داخل منطق الفوضى حتى باتت عاجزة عن تخيّل بديل خارجها. هذا التداخل يجعل مساءلة النخب شرطًا أساسيًا لأي حديث جاد عن الخروج من الدائرة.
في النهاية، الفوضى ليست قدرًا، لكنها أيضًا ليست حادثًا عابرًا. هي مسار حين تُدار، وخطر حين تُترك، ومأساة حين تتحوّل إلى غاية. والخروج منها لا يبدأ بإدانة الخارج وحده، ولا بتبرئة الداخل، بل بإعادة بناء وعي سياسي واجتماعي يدرك أن الدولة لا تُستعاد بالفوضى، وأن السيادة لا تولد من الخراب، مهما طال انتظاره.

عبد الكريم حنون السعيد

اترك رد