منبر العراق الحر :
في الخامس عشر من شعبان لا يمرّ الوقت كما يمرّ في سائر الأيام شيءٌ لا يتبدّل في إيقاع الروح كأن التاريخ يتوقف لحظةً قصيرة ليتنفس ثم يسلّم الأمانة للغد وليس هذا اليوم رقماً في تقويم ولا طقساً احتفالياً يُستهلَك بالأنوار والحلوى فقط بل معنىً عميقاً يربط السماء بالأرض والرجاء بالفعل والانتظار بالمسؤولية.
١٥ شعبان هو ذاكرةٌ حيّة في وجدان المؤمنين لأنه يوم وُلد فيه الأمل مؤجَّلاً لا ملغى وعدالةٌ مؤخرة لا منسية وهو يوم يرتبط بولادة الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) تلك الولادة التي لم تكن حدثاً تاريخياً عابراً بل إعلاناً رمزياً بأن الظلم مهما طال ليس قدراً أبدياً، وبأن للعدل موعداً وإن تأخر.
الاحتفال بمنتصف شعبان ليس احتفالاً بولادة شخص فحسب بل احتفال بفكرة كبرى : أن الإنسان ليس وحيداً في مواجهة القهر، وأن السماء لم تُغلق أبوابها وأن المستقبل لم يُسلَّم للصدفة ومن هنا يصبح هذا اليوم مناسبة لإعادة تعريف الانتظار لا بوصفه سكوناً قاتلاً بل باعتباره حركة ووعي ومسؤولية أخلاقية.
الانتظار في ثقافة ١٥ شعبان ليس جلوساً على قارعة الزمن ولا تعليق الحياة إلى إشعارٍ آخر والانتظار هنا فعلٌ مقاوم يبدأ من إصلاح النفس ويمتد إلى إصلاح المجتمع وينتهي بموقفٍ أخلاقي واضح من الظلم أينما كان وأن تنتظر يعني أن تهيّئ الأرض لفكرة العدل لا أن تكتفي بالدعاء لها من بعيد.
ولهذا، فإن الاحتفال الحقيقي بمنتصف شعبان لا يُقاس بعدد الزينات ولا بحجم المظاهر، بل بمدى ما يحدثه في الضمير والشموع جميلة والإنشاد مؤثر والمجالس عامرة بالذكر لكن الأجمل أن يخرج الإنسان من هذا اليوم أكثر التزاماً بالحق أكثر حساسية تجاه الألم الإنساني وأكثر شجاعة في قول «لا» حين يجب أن تُقال.
في ١٥ شعبان، يستعيد المجتمع سؤال العدالة بوصفه سؤالاً راهناً لا مؤجلاً فلماذا ما زال الظلم متفشياً؟
ولماذا تتكرر المآسي؟ ولماذا يُقصى الضعفاء؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكاً بل جزء من الإيمان نفسه فالإيمان الذي لا يقلق أمام الظلم إيمان ناقص والاحتفال الذي لا يوقظ الأسئلة احتفال بلا روح.
ومن هنا، تتخذ طقوس هذا اليوم معناها الأعمق. الدعاء ليس هروباً من الواقع بل استدعاءً للقوة لمواجهته والفرح ليس غفلة عن الألم بل إصراراً على أن الألم لن ينتصر وحتى اجتماع الناس وتبادل التهاني وإطعام الطعام كلها تتحول من عادات إلى رسائل : نحن معاً ولن نسمح لليأس أن يفرّقنا.
١٥ شعبان يذكّر الإنسان بأن مشروع العدل طويل النفس وأن النتائج لا تُقاس بالعجلة وفي عالمٍ يقدّس السرعة والنتائج الفورية يأتي هذا اليوم ليعلّمنا الصبر الواعي لا الصبر المستسلم وصبر من يعمل لا من يبرّر وصبر من يزرع لا من ينتظر الحصاد بلا تعب.
ولعلّ أجمل ما في هذا اليوم أنه يعيد الاعتبار لفكرة الأمل بوصفها قوة تغيير والأمل هنا ليس شعوراً ناعماً بل موقفاً صلباً وهو أن تؤمن بأن للدمعة معنى وللتضحية ثمناً، وللحق عودة مهما طال الغياب لذلك فإن من يحتفل بمنتصف شعبان حقاً هو من يرفض أن يكون جزءاً من الظلم ولو بالصمت.
في ١٥ شعبان تُضاء القلوب قبل الشوارع تُنظَّف النيّات قبل البيوت ويُسأل الإنسان: أيّ موقعٍ تريد أن تكون فيه حين يأتي العدل؟
في صف المتفرجين أم في صف الممهدين؟
هذا السؤال هو جوهر الاحتفال وهو الميزان الذي يفرّق بين فرحٍ عابر وفرحٍ واعٍ.
وهكذا، يبقى منتصف شعبان موعداً مفتوحاً بين السماء والأرض بين الوعد والعمل بين الغيب والمسؤولية. يومٌ يقول لنا بوضوح : العدل آتٍ لكن الطريق إليه يمرّ بنا ومن هنا يبدأ الاحتفال الحقيقي… من الإنسان نفسه.
وهكذا، لا ينتهي الخامس عشر من شعبان بانطفاء الأضواء ولا بطيّ اللافتات ولا بانفضاض المجالس بل يبدأ بعد ذلك كلّه ويبدأ حين يعود الإنسان إلى ذاته ويسأل نفسه بصراحة قاسية أحيانًا : ماذا بقي من هذا اليوم في داخلي؟
هل تغيّر شيء في موقفي من الظلم؟
هل أصبحتُ أكثر عدلاً في حكمي، أكثر إنصافًا في علاقتي بالآخرين أكثر شجاعة في قول الحق ولو على نفسي؟
لأن القيم الكبرى لا تُقاس بما نردّده في المناسبات بل بما نمارسه في الأيام العادية.
إن ١٥ شعبان ليس وعدًا بالنجاة الفردية بل مشروع خلاص إنساني شامل وهو تذكير بأن العدل لا يولد فجأة بل يُمهَّد له بصبر طويل وبأكتاف متعبة وبقلوب لم تتصالح مع القبح مهما طال أمده ومن ينتظر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) حقًا لا يمكنه أن يتعايش مع الظلم، ولا أن يبرّر الفساد ولا أن يصمت عن الإهانة لأن الانتظار الصادق يفرض عليك أن تكون في موقع النقيض التام لما تنتظر زواله.
في هذا اليوم تتلاقى الفكرة مع الأخلاق والعقيدة مع السلوك فلا معنى للإيمان بولادة العدل إن لم يكن الإنسان نفسه عادلاً في بيته في عمله في كلمته وفي صمته ولا قيمة للاحتفال بولادة المنقذ إن تحوّلنا إلى عبء على فكرة الخلاص بسوء أفعالنا وتخاذلنا وتنازلاتنا الصغيرة التي تتراكم حتى تصير خيانة صامتة.
١٥ شعبان يعلّمنا أن الغياب ليس هزيمة وأن التأجيل ليس إنكارًا وأن الصبر ليس ضعفًا وهو مدرسة في الوعي التاريخي تقول لنا إن القضايا الكبرى لا تُقاس بعمر الأشخاص بل بعمر القيم وإن العدل حين يتأخر إنما يختبر أهلَه لا ليخذلهم بل ليرى من بقي ثابتًا حين غادره الكثيرون.
ولعلّ أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذا اليوم، أن نعود كما كنّا أن نختزل المناسبة في طقس ونفرغها من معناها ونحوّل الانتظار إلى ذريعة للكسل أو إلى خطابٍ عاطفي لا يغيّر شيئًا في الواقع. فمنتصف شعبان ليس يوم الهروب من الأسئلة بل يوم مواجهتها وليس مناسبة للتعليق على الغيب، بل مناسبة لتحمّل مسؤولية الحاضر
وإن الاحتفال الحقيقي بمنتصف شعبان هو أن نكون جديرين بالأمل الذي نحمله وبالوعد الذي نؤمن به وأن نكون ممن يوسّعون مساحة النور لا ممن يبرّرون العتمة وأن نكون جسورًا لا جدرانًا وشهودًا للحق لا متفرجين عليه فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الواعظين بقدر حاجته إلى الصادقين.
وفي النهاية، يبقى الخامس عشر من شعبان سؤالًا مفتوحًا لا جوابًا جاهزًا سؤالًا يُطرح كل عام من جديد : هل نحن مستعدون للعدل إذا جاء ؟
هل أعددنا أنفسنا له أم أننا نحب فكرته فقط من بعيد؟
ذلك لأن الظهور قبل أن يكون حدثًا غيبيًا هو امتحان إنساني طويل… ومن ينجح فيه يبدأ انتصاره من الآن لا من الغد.
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر