منبر العراق الحر :…..تمهيد…
في لحظة إقليمية مثقلة بالتهديدات المتقاطعة وحافة الانفجار، تتقدّم مفاوضات شديدة الحساسية في الظل، حيث تُدار ملامح ما يمكن تسميته بـ«الصفقة الإيرانية الكبرى». فقد صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة بأن «قنوات التفاوض مع طهران مفتوحة» وأن بلاده «تتحدث مع الإيرانيين بشكل جدي»، وفق ما نقلته صحيفة The Guardian البريطانية. في المقابل، أكّد مسؤولون إيرانيون وجود اتصالات غير معلنة مع واشنطن، وهو ما أوردته وكالة رويترز نقلاً عن مصادر دبلوماسية مطلعة، في إشارة واضحة إلى أن الطرفين يترقّبان لحظة تنازل مفصلية قد تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط.
⸻
بازار المطالب الامريكي: من الاتفاق إلى إعادة هندسة النظام
وفق تسريبات نقلتها وكالة رويترز وصحيفة Financial Times، لم يعد السقف الأميركي محصورًا في ضبط البرنامج النووي أو تقييده، بل ارتفع إلى مستوى غير مسبوق. فقد ذكرت مصادر دبلوماسية غربية أن واشنطن باتت تطرح مطالب سياسية جوهرية تتجاوز الملف النووي، من بينها تغييرات عميقة في بنية الحكم الإيراني. وتشير تحليلات نشرها معهد Council on Foreign Relations إلى أن الإدارة الأميركية لا تنظر إلى الاتفاق بوصفه إجراءً تقنيًا، بل أداة لإعادة صياغة المعادلة السياسية الإيرانية برمّتها، وهو ما تعتبره طهران – بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) – مساسًا مباشرًا بالسيادة والكرامة السياسية.
⸻
الجبهة الداخلية: نقطة الضعف القاتلة
المعضلة الأعمق التي تواجهها إيران لا تكمن في طاولات التفاوض، بل في الداخل المنهك. فقد أشارت تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى تآكل الاقتصاد الإيراني تحت وطأة العقوبات، بينما تحدثت منظمة الشفافية الدولية عن تفشي الفساد داخل مؤسسات الدولة. وفي السياق نفسه، نقلت منظمة Human Rights Watch وتقارير الأمم المتحدة صورة عن شارع يغلي تحت وطأة القمع والانسداد السياسي. هذا الهشاش الداخلي – بحسب تحليل نشرته مجلة Foreign Affairs – هو ما يمنح واشنطن أوراق ضغط حاسمة، إذ تدرك أن النظام الإيراني يفاوض وهو محاط بهواجس الانفجار الاجتماعي وأزمات الشرعية.
في هذا المشهد المعقّد، تبرز الوساطة القطرية كمحاولة أخيرة لتقريب المسافات. فقد أفادت وكالة رويترز بأن زيارة رئيس الوزراء القطري إلى طهران جاءت في إطار مسعى دبلوماسي مكثف يهدف إلى جسر الهوة بين الموقفين. كما ذكرت صحيفة Financial Times أن الدوحة تحاول تخفيف حدّة التصادم بين إصرار أميركي على إخضاع كامل، وسعي إيراني للحفاظ على الحد الأدنى من هيكل النظام السياسي.
————
ما وراء النووي: الصواريخ، المسيّرات، وسؤال النظام!
إلى جانب الملف النووي، تُصعّد واشنطن ضغوطها في مسارات موازية لا تقل خطورة. فقد صرّح مسؤولون أميركيون لصحيفة Financial Times أن أي تسوية مستقبلية مع طهران يجب أن تشمل البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني وملف الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، اللذين تعتبرهما الولايات المتحدة عنصرين مركزيين في تهديد أمن المنطقة وحلفائها. وفي السياق ذاته، ذكرت وكالة رويترز نقلًا عن مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية أن واشنطن ترى في الصواريخ والمسيّرات «الذراع الفعلية للنفوذ الإيراني خارج حدوده»، ولا يمكن فصلها عن أي اتفاق شامل.
كما أكدت تقارير نشرتها شبكة CNN ووكالة Associated Press أن الإدارة الأميركية تعتبر تطوير إيران للمسيّرات الهجومية وتزويد حلفائها الإقليميين بها عاملًا مقلقًا يوازي الخطر النووي، ما يفسر إصرار واشنطن على إدراج هذا الملف ضمن سلة الضغوط السياسية والعقوبات.
الأبعد من ذلك، تشير تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث أميركية مثل Atlantic Council وBrookings Institution إلى أن الضغط الأميركي لا يقتصر على تعديل السلوك، بل يفتح صراحة باب تغيير النظام كخيار استراتيجي غير معلن. فقد نقلت صحيفة Wall Street Journal عن مسؤولين سابقين في إدارة ترامب أن الهدف النهائي للضغوط المركّبة — النووية، الصاروخية، والاقتصادية — هو دفع النظام الإيراني إلى إما تحوّل جذري من الداخل أو الانهيار تحت ثقل الأزمات.
في المقابل، رفضت طهران هذا الطرح بشكل قاطع، حيث صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي — بحسب ما أوردته وكالة تسنيم الإيرانية — أن «القدرات الصاروخية والدفاعية غير قابلة للتفاوض، وأن أي حديث عن تغيير النظام مرفوض جملة وتفصيلًا»، معتبرًا أن هذه المطالب تؤكد أن الخلاف مع واشنطن لم يعد تقنيًا بل وجوديًا.
———
الخلاصة: معركة على الدولة لا على النووي
ما تواجهه إيران اليوم، وفق توصيف مراكز أبحاث أميركية كـAtlantic Council وBrookings Institution، ليس تفاوضًا على برنامج نووي، بل عملية تفكيك شاملة لأدوات الدولة تحت عنوان «الردع بالإذلال». فواشنطن، كما نقلت رويترز وFinancial Times، لم تعد تكتفي بتفكيك النووي، بل تربط أي تسوية بإنهاء البرنامج الصاروخي وملف المسيّرات، باعتبارهما جوهر النفوذ الإيراني الإقليمي، وهي رؤية دعمتها تقارير CNN وAssociated Press.
الأبعد من ذلك، تشير تحليلات Wall Street Journal وForeign Policy إلى أن الضغوط المركّبة تهدف فعليًا إلى دفع النظام نحو تحوّل جذري أو تفكك داخلي، حتى دون إعلان صريح عن «تغيير النظام». في المقابل، تدرك طهران — كما صرّح مسؤولوها ونقلته رويترز ووكالة تسنيم — أن المطروح لم يعد صفقة تقنية بل مقايضة وجودية: التخلي عن أدوات الردع والسيادة مقابل البقاء.
وعليه، يقف النظام الإيراني أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث:
إما القبول بإعادة هندسة الدولة وفق الشروط الأميركية،
أو الانزلاق إلى المسار الآخر الذي لوّح به دونالد ترامب مرارًا، كما نقلت The Guardian وReuters، بكل ما يحمله من سيناريوهات مفتوحة على المجهول.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر