اسمٌ آخر للقيد ….بقلم رانية مرجية

منبر العراق الحر :

لم تكن الشاعرة تخاف خسارة الجمهور.
كانت تخاف أن تكتشف أنها لا تملك شيئًا غيره.

سنواتٍ عاشت في الضوء.
لم يكن الضوء قاسيًا؛ كان كريمًا، يفتح لها المنابر ويمنحها أسماءً لامعة.
كانت تعرف كيف تُشعل القاعة بكلمة، وكيف تُطفئها بابتسامةٍ محسوبة.
تعلمت مبكرًا أن الحقيقة لا تُمنع دائمًا… بل تُهذَّب.

لم يُطلب منها الكذب.
فقط ألّا تقول ما لا يُحتمل.

القصيدة التي كسرت الإيقاع لم تكن صرخة.
كانت اعترافًا مموّهًا.

كتبت عن شاعرٍ يبيع نصف صوته ليشتري نصف نجاة.
عن مثقفٍ يؤجل المواجهة باسم الحكمة.
عن امرأةٍ تسمي خوفها اتزانًا،
وتسمي صمتها نضجًا.

لم تذكر نفسها.
لكنها كانت في كل سطر.

حين صعدت إلى المنصة، لم ترتجف.
الارتجاف امتياز من يملك خيار التراجع.
هي كانت تعرف أن الخسارة بدأت قبل تلك الليلة بسنوات،
يوم حذفت أول جملةٍ جارحة كي تبقى محبوبة.

قرأت ببطء،
كأنها تسحب خيطًا من قماشٍ قديم.

انتهت.

سقط صمتٌ كثيف، لا هو رفضٌ ولا إعجاب.
ثم تصفيقٌ قصير، مهني، بارد.

في الصف الأول، أغلق ناشرها مفكرته.
لم يعترض.
لم يمدح.
فقط حوّل نظره عنها.

لم تأتِ المواجهة.
لم تُمنع.
لم تُدان.

فقط تغيّر الإيقاع.

أُجلت أمسية.
اعتُذر عن مشاركة.
ثم جاء اتصالٌ مهذّب:

“المرحلة المقبلة تحتاج خطابًا أقل حدّة.
الناس متعبون. يريدون ما يواسيهم.”

أغلقت الهاتف.

لم يكن الألم في العبارة.
كان في وضوحها.

كانت تعرف القواعد، بل تجيدها.
تحذف سطرًا قبل أن يحرج أحدًا.
تليّن عبارةً كي تمرّ.
تترك فراغًا أنيقًا مكان تصريحٍ قاطع.

لم يُقصها أحد.
هي فقط توقفت عن التنازل الصغير الذي كان يضمن بقاءها.

والعالم، حين لا يجدك مطيعًا، لا يصرخ في وجهك.
يكتفي بأن يشيح بنظره.

في العزلة، لم تجد بطولة.
وجدت مرآة.

فتحت دفاترها القديمة،
ورأت القصائد التي لم تُنشر.
نصوصًا حادّة، غير مهذّبة،
تشبهها أكثر مما ينبغي.

راودتها فكرة بسيطة وخطيرة:
أن تعود خطوةً واحدة.
أن تكتب نصًا متوازنًا، ذكيًا، غير مؤذٍ،
تستعيد به موقعها،
ثم تكمل بعدها ما تريد.

جلست أمام الصفحة البيضاء.
كتبت سطرًا جميلًا.
ثم آخر أكثر اتزانًا.
بدت القصيدة قابلة للنشر.
قابلة للتصفيق.

حدّقت في الكلمات طويلًا.
لم تكن رديئة.
كانت مريحة.

مزّقت الورقة.

صوت الورق وهو ينشقّ بدا أعلى من أي تصفيق عرفته.
لكن بعد الصوت، لم يأتِ شعور بالتحرر.
جاء فراغ.

فراغ بلا جمهور.
وبلا عذر.

بعد عام، قرأت في مكتبة صغيرة، بلا أضواء.
وجوه قليلة لا تعرف تاريخها، ولا تنتظر صورةً بعينها.

قرأت القصيدة نفسها.

وفي منتصفها، تسلل إليها شكّ بارد:
ماذا لو كان هذا أيضًا شكلًا آخر من الرغبة في التفرد؟
ماذا لو استبدلت تصفيق العامة بإعجاب القلة؟
هل تغيّر القيد…
أم تغيّر اسمه فقط؟

تلعثمت في سطرٍ واحد.
ثم أكملت.

عند النهاية، صفق بعضهم.
وغادر رجل قبل أن تنطفئ الكلمات تمامًا.

لم يؤلمها خروجه.
ما أقلقها هو أن السؤال لم يغادرها.

لو عاد الضوء يومًا،
أكثر نعومة،
أكثر دهاءً،
بشروطٍ لا تبدو تنازلًا…
هل ستعرفه؟

أحيانًا يكفي أن تبتعد،
لا لأنكِ أصبحتِ شجاعة،
بل لأنكِ لم تعودي قادرة على احتمال النسخة التي تُرضي الجميع.

الابتعاد لا يمنح براءة.
إنه يسحب الأعذار.

والشاعرة خسرت المنابر،
وخسرت صورتها اللامعة،
وخسرت يقينها بأنها على حق.

بقي لها صوتٌ واحد،
عارٍ من الضمانات.

صوتٌ قد يكون حرية.
وقد يكون فقط
اسمًا آخر
للقيد

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد