منبر العراق الحر :
[دراسة تأصيلية مقارنة في ضوء القرآن والمنهج النبوي]
خصوصية المفردة القرآنية61
مدخل: تتناول هذه الدراسة إشكالية العلاقة بين الدولة المسلمة وغير المسلمة في ظل التوترات الدولية المعاصرة، ساعيةً إلى تأصيل منهجٍ متوازن يجمع بين حفظ السيادة والاستقلال من جهة، ومراعاة البرّ والقسط وفقه المصالح والمآلات من جهة أخرى. وتعتمد الدراسة على تحليل النص القرآني، واستقراء الهدي النبوي، ومقارنة آراء فقهاء من المدرستين السنية و الشيعية، مع ربط ذلك بنظريات العلاقات الدولية الحديثة.
المقدمة:بين المثال الأخلاقي والواقع السياسي
تقوم السياسة – في بعدها الفلسفي – على توترٍ دائم بين المثال والواقع، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن بالفعل. والدولة المسلمة، بوصفها كيانًا ذا مرجعية دينية، تواجه تحديًا مضاعفًا: فهي مطالبة بحفظ قيمها العقدية، وفي الوقت نفسه بإدارة مصالحها في نظامٍ دولي شديد التعقيد.
فهل يكون الخيار هو العزلة اتقاءً للذوبان؟
أم الصدام الدائم حفاظًا على الكرامة؟
أم الانخراط المشروط في شبكة العلاقات الدولية وفق ميزانٍ شرعيٍّ دقيق؟
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن النص القرآني والهدي النبوي لا يؤسسان لسياسة التبعية والذيلية ولا العزلة والانطواءولا لسياسة الإستعداء الدائم و التهديد المستمر، بل لمنهج متوازنٍ يقوم على الاستقلال الرشيد والمرونة المنضبطة.
المبحث الأول: التأصيل القرآني لمفهوم العلاقة
أولًا: مبدأ الاستقلال ورفض ولايةالكافرينقال ٲلـلَّـﷻـۂ:
﷽﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28]
يفهم جمهور المفسرين أن الولاية هنا تعني الولاء السياسي المؤدي إلى التبعية وفقدان القرار السيادي للدولة الإسلامية(1)(2).
فالآية لا تمنع مطلق العلاقة، وإنما تمنع التمكين الذي يفضي إلى اختلال ميزان الاستقلال وتبعية المسلم للكافر.
ثانيًا: مبدأ البرّ والقسطقال ٲلـلَّـﷻـۂ:
﷽﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
[الممتحنة: 8–9]
وهذه الآية تؤسس لقاعدة التمييز بين:
☆غير المحاربين → البرّ والقسط.
☆المعتدين → المنع من الولاية.
وهو تفريق دقيق يمنع التعميم العدائي ويضبط الموقف بضابط السلوك لا الهوية (3)(4).
المبحث الثاني: الهدي النبوي وإدارة التوازن
تمثل السيرة النبوية التطبيق العملي للنص القرآني في إدارة العلاقات الدولية، وقد كشفت عن نموذجٍ سياسيٍّ يتسم بالمرونة الاستراتيجية والثبات القيمي.
أولًا: صلح الحديبية وفقه التنازل المرحليفي السنة السادسة للهجرة، دخل النبي محمد ﷺ وآله في مفاوضات مباشرة مع ممثل قريش سهيل بن عمرو، وكان التفاوض وجاهيًا صريحًا، لا عبر وسطاء خفيين.
وقد انتهت المفاوضات إلى اتفاقٍ تضمن بنودًا اعتُبرت — في ظاهرها — تنازلات، منها:
1.كتابة اسم النبي بصيغة: “محمد بن عبد الله” بدل “محمد رسول الله”.
2.إعادة من يأتي المدينة مسلمًا من قريش دون إذن وليه.
3.هدنةلمدةعشرسنوات.
4.تأجيل دخول المسلمين إلى مكة ذلك العام والعودة في العام التالي.
5.حرية القبائل في الانضمام إلى أي من الطرفين.
وقد شقّ ذلك على بعض الصحابة وعبّر عن انزعاجه.
وقد قرر فقهاء السياسة الشرعية أن الإمام قد يقبل بالموادعة أو التنازل الجزئي إذا ترتبت عليه مصلحة راجحة (5)(6).
هنا يتجلى مبدأ فلسفي عميق:
الثبات على الغاية لا يقتضي الجمود في الوسيلة.
ثانيًا:الدبلوماسية النبوية
أرسل النبي محمد ﷺ وآله رسائل إلى:☆هرقل
☆كسرى
☆المقوقس
☆النجاشي
…وغيرهم
وقَبِل الهدايا من الملوك غير المسلمين (المقوقس والنجاشي)، وهذا يؤسس لقاعدة منهجية:
الحوار يسبق القطيعة، والاحتكام إلى الحجة يسبق الاحتكام إلى القوة.
والملفت أن من بين هدايا المقوقس عظيم القبط السيدة مارية القبطية المصرية، التي تزوّجها النبي ﷺ وآله، ورُزق منها ولدًا هو إبراهيم، الذي توفي صغيرًا.وهذه الواقعة تؤكد:
مشروعية قبول الهدايا من غير المسلمين.
إمكان قيام علاقة مصاهرة.
عدم وجود حاجز قطيعة مطلق بين المجتمع المسلم والمجتمعات الأخرى.وهذا يعزز القول إن الأصل في السياسة الدولية النبوية كان:
المعاهدة قبل المواجهة
الحوارقبل الصدام
الدعوة قبل القتالإن القراءة الفلسفية لهذه الوقائع تقود إلى نتيجة مهمة:
النموذج النبوي لم يكن نموذج صدامٍ دائم،
ولا نموذج انعزال،
بل نموذج دولةٍ قيميةٍ منفتحةٍ مشروطة؛
☆تُفاوض،
☆وتُعاهد،
☆وتقدم تنازلات مرحلية،
☆وأنها تحاورت مع الآخر في أقدس فضائها الديني،
☆وربطتها علاقات إنسانية، دون أن تتخلى عن مرجعيتها العقدية
ثالثا:الحوارمع نصارى نجراناستقبل النبي ﷺ وآله وفد نصارى نجران في مسجده بالمدينة، وهو أقدس فضاءٍ دينيٍّ في الدولة الإسلامية الناشئة.
وقد دار حوارٌ لاهوتيٌّ وسياسيٌّ مفتوح في المسجد حول طبيعة المسيح عليه السلام، و استمع النبي إلى حججهم، وأقام عليهم حجته.
واستقباله ص لهم وحواره معهم في مسجده تم رغم أن القرآن يقرر:
﷽﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (التوبة: 28)
ومع ذلك لم يمنع هذا الوصف العقدي من فتح باب التفاوض والحوار حتى داخل المسجد نفسه. وعندما لم يُحسم الجدل بالحوار، نزل قوله تعالى:
﷽﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ…ثم نبتهل﴾ (آل عمران: 61)
فكانت المباهلة خيارًا أخيرًا بعد استنفاد مسار الحوار.
مما يؤكد مشروعية التواصل السياسي وعدم تبني سياسة العزلة المطلقة والعناد ورفض التفاوض.
المبحث الثالث:فقه المصالح والمآلات
يعدّ اعتبار المآلات أصلًا مقرّرًا في الاجتهاد السياسي (7).
كما يؤكد الفكر الفقهي الشيعي الإمامي المعاصر ضرورة مراعاة الواقع في تنزيل الأحكام (8).
ومن هنا يبرز السؤال النقدي:
إن الشعارات الثورية الدائمة هل تخدم الشعوب أم تهدم البلاد وتنهك العباد وتدمر الإقتصاد ولن تؤدي إلى نتائج حقيقية؟
فإذا أفضت السياسات المتبعة إلى :
_إنهاك اقتصادي مزمن
_واضطراب في اوضاع البلد
_وظهور بوادر تمرد اجتماعي طويل الأمد
_وصدام دموي بين الحكم والمحتجين
فإن قاعدة درء المفاسد تقتضي إعادة التقييم والمرونة وإعادةالنظر و اصلاح النهج المتبع لصون بيضةالاسلام والحؤول دون سفك الدم الحرام والتقاتل بين المواطنين.
المبحث الرابع: الاستقلال الرشيد في الواقع المعاصر
العالم اليوم مترابط اقتصاديًا حتى بين قوى متنافسة سياسيا و اقتصاديا مثل الولايات المتحدة والصين،ولكن زعيمي الدولتين يلتقيان و يتفاوضان وقد
يختلفان في أشياء
ويتفقان في أشياء أخرى.
وعليه فإن الاستقلال الرشيد يقوم على:
1.سيادة القرار.
2.تنويع الشراكات.
3.تجنب الاستعداء للآخرين.
4.قبول التفاوض المباشر و المراسلة بين القادة لتحقيق المصلحة العليا.
5.الدفاع المشروع عند العدوان.
المبحث الخامس:فقه الدولة ونظريات العلاقات الدولية الحديثة
يمكن مقارنة الفقه السياسي الإسلامي بثلاث نظريات كبرى:
1.الواقعيةالسياسية:
ترى أن الدولة تسعى إلى القوة والبقاء.
ويتقاطع معها الفقه الإسلامي في اعتبار حفظ الكيان مقصدًا شرعيًا.
2.الليبراليةالمؤسسية:
تؤكد أهمية التعاون الدولي والمؤسسات.و يقابلها في التراث الإسلامي مبدأ المعاهدات و الموادعات.
3.البنائية :
تركز على دور الهوية والقيم.وهو ما ينسجم مع مركزية البعد العقدي في الدولة المسلمة.
غير أن الفقه الإسلامي يتميز بإضافة معيار أخلاقي مقاصدي، يجعل السياسة خاضعة لميزان العدل، لا لمطلق القوة.
الخاتمة:تخلص هذه الدراسة إلى أن منهج التوازن والمرونةوالاعتدال هو الأقرب إلى روح النص ومقاصد الشريعة:
استقلال بلاخضوع
عدل بلا استسلام.
مرونة بلا تفريط.
قوة بلا تهور.فالدولة الإسلامية ليست مطالبة بأن تكون في عزلةٍ تحرمها من أسباب القوة، ولا بصدامٍ دائم مع القوى الكبرى يستنزف مقدراتها ويدمر أعصاب شعبها، بل بإدارة رشيدة تحقق كرامة الأمة وتوفر معيشتها بكرامة وبلا ضنك في العيش وتدبّر مصلحة شعبها في آنٍ واحد.
للحديث صلة
المصادر:1.الطبري،جامع البيان.
2.العلامةالطباطبائي، الميزان فِي تفسير القرآن.
3.القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.
4.الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن.
5.الشهيدسيدقطب،في ظلال الاسلام
6.المحقق الحلي، شرائع الإسلام.
7.أبو إسحاق الشاطبي،الموافقات.
8.الامام الشهيدالسيد محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر