منبر العراق الحر :
الملخص التنفيذي
في عصر التعددية النووية، لم يعد الردع الأميركي يُفهم بوصفه علاقة ثنائية كما كان في الحرب الباردة، بل كجزء من شبكة معقدة من التفاعلات بين قوى كبرى تمتلك القدرة على التأثير في استقرار النظام الدولي بأكمله.
ينطلق هذا الجزء من فرضية أساسية:
الردع الأميركي اليوم لا يقوم فقط على موازنة قوة خصم محدد، بل على إدارة مخاطر نظام دولي متداخل تتقاطع فيه قرارات قوى نووية متعددة.
تواجه الولايات المتحدة بيئة استراتيجية تختلف جذرياً عن بيئة الحرب الباردة:
• تعددية مراكز القوة
• تداخل المسارح الإقليمية
• صعود الصين
• عودة روسيا إلى المواجهة
• كوريا الشمالية النووية
• إيران عند العتبة
في هذا السياق، لم يعد الاستقرار نتيجة تفوق،بل نتيجة إدارة دقيقة للخوف المتبادل. ويخلص إلى أن الردع في عصر التعددية النووية لم يعد يقوم على “منع الحرب” فقط،
بل على منع الانزلاق غير المقصود إليها.
المدخل الفلسفي: الخوف كآلية استقرار
في العلاقات الدولية الكلاسيكية، يُنظر إلى القوة كضمان للاستقرار.
لكن في النظام النووي، القوة المطلقة لم تعد مصدر طمأنينة، بل مصدر خوف متبادل.
الخوف هنا ليس حالة نفسية فردية،
بل عنصر بنيوي في النظام الدولي.
حين تمتلك دولتان القدرة على إلحاق دمار وجودي ببعضهما،
يصبح الخوف المتبادل هو الضامن الوحيد لعدم استخدام تلك القدرة.
في الحرب الباردة، سُمي هذا:
توازن الرعب
لكن في عصر التعددية النووية، لم يعد الرعب ثنائياً.
بل أصبح شبكة متداخلة من المخاوف:
• الولايات المتحدة تخشى سوء تقدير روسي
• روسيا تخشى توسعاً استراتيجياً
• الصين تخشى حصاراً طويل الأمد
• القوى الإقليمية تخشى الانكشاف
• وكل طرف يخشى فقدان الهيبة
النتيجة:
الاستقرار لا يقوم على الثقة،
بل على إدراك مشترك بأن الخطأ قد يكون قاتلاً للجميع.
أولاً: من الردع الثنائي إلى الردع المتعدد
في الحرب الباردة، كانت المعادلة واضحة نسبياً:
واشنطن ↔ موسكو
قنوات اتصال مباشرة
خطوط حمراء مفهومة
توازن نووي شبه ثابت
اليوم، المشهد مختلف:
واشنطن
موسكو
بكين
قوى نووية إقليمية
فاعلون غير دولتيين
الردع لم يعد خطاً مستقيماً،
بل شبكة معقدة.
هذا التعقيد يرفع احتمالات:
• سوء الفهم
• سوء التقدير
• التصعيد غير المقصود
ثانياً: الأزمات الإقليمية كاختبار للنظام العالمي
أزمات مثل:
• أوكرانيا
• تايوان
• الشرق الأوسط
• بحر الصين الجنوبي
ليست أزمات محلية فقط،
بل نقاط احتكاك في نظام عالمي متوتر.
كل أزمة تُدار في مستويين:
1. مستوى ميداني مباشر
2. مستوى ردعي بين قوى كبرى
الخطأ في المستوى الأول قد يُفعل المستوى الثاني.
ثالثاً: سوء الحساب – الخطر البنيوي الدائم
أكبر تهديد للاستقرار ليس النية العدوانية بالضرورة،
بل سوء الحساب.
قد يفسر طرف مناورات عسكرية كإشارة ضغط.
وقد يفسرها الطرف الآخر كتحضير لضربة.
قد تُفهم ضربة محدودة كرسالة ردع.
وقد تُقرأ كبداية حملة أوسع.
في بيئة نووية،
الهامش بين “الإشارة” و”التهديد الوجودي” قد يكون ضيقاً للغاية.
رابعاً: إدارة المخاطر – أدوات الاستقرار غير المعلنة
القوى الكبرى تدرك أن الردع لا يكفي وحده.
لذلك تعتمد على:
• قنوات اتصال عسكرية مباشرة
• تفاهمات ضمنية حول العتبات
• إشارات محسوبة قبل أي تصعيد
• أحياناً اتفاقات محدودة لضبط التسلح
حتى في ظل الخصومة، تبقى إدارة المخاطر ضرورة مشتركة.
الاستقرار لا ينتج عن الصداقة،
بل عن الإدراك المشترك للخطر.
خامساً: الصين – الردع الطويل الأمد
الصين تميل إلى استراتيجية:
• تجنب الصدام المباشر
• تغيير التوازن تدريجياً
• استخدام الردع بالمنع والاقتصاد
لكن في ملف تايوان،
قد يتقاطع البعد القومي مع الحسابات الاستراتيجية.
هنا يصبح الخوف المتبادل عنصراً مزدوجاً:
• يمنع الحرب
• لكنه قد يسرعها إذا فُهمت النوايا خطأً
سادساً: روسيا – الردع تحت الضغط
في ظل العقوبات والعزلة،
قد تلجأ دولة إلى رفع السقف النووي لفظياً لتعزيز الردع.
لكن كل رفع لفظي يحمل مخاطرة:
تطبيع لغة التصعيد قد يضعف عتبتها.
الخطر ليس في استخدام السلاح النووي فقط،
بل في تآكل الحاجز النفسي أمام التفكير فيه.
سابعاً: الولايات المتحدة – بين الطمأنة والاحتواء
واشنطن تواجه معضلة مزدوجة:
• طمأنة الحلفاء
• ردع الخصوم
الطمأنة المفرطة قد تُقرأ استفزازاً.
والاحتواء الحاد قد يدفع إلى سباق تسلح.
إدارة هذا التوازن هي جوهر إدارة المخاطر.
ثامناً: كوريا الشمالية – الردع غير المتماثل تحت حافة الهاوية
كوريا الشمالية ليست قوة عظمى،
لكنها تمثل أحد أخطر مختبرات الردع المعاصر.
النظام في بيونغ يانغ يقوم على معادلة واضحة:
الضعف التقليدي يقابله تهديد نووي مباشر.
هنا يتغير شكل الخوف المتبادل:
• الولايات المتحدة تخشى تصعيداً نووياً غير عقلاني
• كوريا الشمالية تخشى انهيار النظام إذا فقدت الردع
الخطورة في الحالة الكورية لا تكمن في القدرة النووية وحدها،
بل في عنصرين إضافيين:
1. ضيق عمق النظام السياسي
2. غموض حسابات القيادة
في أزمات 2017، ارتفع الخطاب إلى مستوى غير مسبوق.
لكن الطرفين عادا سريعاً إلى قنوات التهدئة.
الدرس البنيوي من كوريا:
حين تكون الدولة ضعيفة تقليدياً لكنها مسلحة نووياً،
يصبح الردع أداة بقاء للنظام لا أداة توازن إقليمي فقط.
هذا يجعل الخوف أكثر حساسية،
وأقل قابلية للتنبؤ.
تاسعاً: إيران – الردع عند العتبة النووية
إيران تمثل نموذجاً مختلفاً جذرياً عن كوريا الشمالية.
هي ليست دولة نووية معلنة،
لكنها تتحرك في فضاء “العتبة”.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر