منبر العراق الحر :🔲 المقدمة: أخطر اللحظات ليست الحرب… بل ما قبلها
في الأزمات الكبرى، لا تكون اللحظة الأخطر لحظة إطلاق الصواريخ،
بل اللحظة التي تسبق القرار.
حين ترتفع الجاهزية العسكرية،
وتُخلى بعض البعثات الدبلوماسية،
وتُعقد إحاطات أمن قومي مغلقة،
وتدخل الأسواق العالمية في حالة ترقب،
ويتصاعد الخطاب السياسي دون إعلان فعل.
هذه ليست ضوضاء إعلامية.
هذه مرحلة انتقال.
لكن الانتقال إلى ماذا؟
🔲 أولاً: ماذا تعني إحاطة “عصابة الثمانية” في السياق الأميركي؟
عندما يُحاط ما يُعرف في واشنطن بـ “عصابة الثمانية” – وهم قادة الحزبين في مجلسي الشيوخ والنواب إضافة إلى رؤساء اللجان الاستخبارية – في جلسات مغلقة، فإن الأمر يتجاوز التصريحات الإعلامية أو المناكفات السياسية.
هذه الإحاطة تعني انتقال الملف من مستوى التكهن العلني إلى مستوى التقدير السيادي الأعلى.
وعندما تتم الإحاطة من قبل مسؤول الأمن القومي الأميركي أو القيادة التنفيذية المعنية بالملف، فإنها تحمل دلالات واضحة:
• عرض تقييمات استخبارية حساسة ومحدّثة
• استعراض سيناريوهات محتملة، عسكرية وغير عسكرية
• وضع خيارات تصعيد أو احتواء على الطاولة
• تهيئة البيئة السياسية لتحمّل تبعات أي قرار محتمل
في العقيدة الأميركية، هذا النوع من الإحاطات لا يُعقد للاستعراض،بل عندما يدخل الملف مرحلة دراسة جدية للخيارات.
ومع ذلك، يجب التمييز بدقة:
الإحاطة ليست إعلان قرار،
بل إشراك القيادات التشريعية في تحمّل مسؤوليته إن اتُّخذ.لحظة ما قبل القرار
هل تقترب واشنطن من عتبة التنفيذ؟
حين يصل الملف إلى “عصابة الثمانية”،
فهو لم يعد شأناً دبلوماسياً عادياً،
ولا مجرد تقدير عسكري داخلي،
بل قضية أمن قومي مباشر قيد المراجعة العليا.
🔲 ثانياً: كيف نقرأ إخلاء السفارات في العقيدة الأميركية؟
في الثقافة الاستراتيجية الأميركية، إخلاء الطواقم غير الأساسية ليس قرار حرب،
بل قرار احترازي.
معناه:
• احتمال تصعيد قائم
• بيئة مخاطر مرتفعة
• تقليص الخسائر المحتملة
• رفع الجاهزية النفسية والإدارية
واشنطن لا تُخلي لأنها قررت الضرب،
بل لأنها لا تستبعد التصعيد.
وهنا الفرق الدقيق:
الاستعداد لا يعني التنفيذ.
🔲 ثالثاً: إسرائيل… عامل الضغط الصامت
أي قراءة واقعية للمشهد دون إدخال إسرائيل تبقى ناقصة.
إسرائيل تنظر إلى اقتران البرنامج النووي الإيراني بالصواريخ الباليستية كتهديد وجودي، لا تفاوضي.
وهي تفضّل تقليص زمن القرار، لا تمديده.
لكن الفارق بين واشنطن وتل أبيب يكمن في:
• تقدير توقيت الضربة
• حساب حجم الرد الإقليمي
• مستوى الاستعداد لتحمّل حرب متعددة الجبهات
وجود إسرائيل في المعادلة لا يعني أن الضربة وشيكة،
لكنه يعني أن هامش الانتظار ليس مفتوحاً بلا سقف.
🔲 رابعاً: الخليج العربي … مسرح الارتداد
دول الخليج ليست مجرد مراقب.
هي مسرح محتمل لأي ارتداد.
أي تصعيد واسع قد يعني:
• تهديد منشآت الطاقة
• اضطراب الملاحة
• ضغطاً أمنياً داخلياً
• توتراً اقتصادياً إقليمياً
لهذا تتحرك هذه الدول على خطين متوازيين:
تعزيز الاستقرار
وتعزيز الجاهزية.
وجود الخليج العربي في الحساب الأميركي يجعل القرار أعقد من كونه مواجهة ثنائية.
🔲 خامساً: مفاوضات جنيف… اختبار اللحظة
المفاوضات المرتقبة لا تجري في فراغ،
بل فوق أرضية مشحونة بالردع والاستعداد.
الفجوة بين الطرفين ليست تقنية، بل استراتيجية:
الطرح الأميركي يميل إلى قيود صارمة على التخصيب وضبط الصواريخ وتقييد النفوذ الإقليمي.
الطرح الإيراني يركز على رفع العقوبات والاعتراف بحقوق نووية والحفاظ على أوراق الردع.
هذه ليست فجوة تفاوضية عادية،
بل فجوة في تعريف الأمن ذاته.
إذا كانت جنيف محاولة لتجميد المسار،
فإن رفع الجاهزية جزء من معادلة الضغط.
لكن إذا فشلت،
فإن الانتقال من الاستعداد إلى القرار قد يصبح أقرب.
🔲 سادساً: المرحلة الرمادية بين الردع والتنفيذ
هناك ثلاث مراحل في الأزمات الكبرى:
1️⃣ التلويح التكتيكي
2️⃣ الاستعداد العملياتي الاحترازي
3️⃣ قرار التنفيذ
المؤشرات الحالية توحي بأننا تجاوزنا المرحلة الأولى.
لكن لا توجد دلائل قاطعة أننا دخلنا الثالثة.
نحن في المنطقة الأخطر:
المرحلة الثانية.
وهي مرحلة تتميز بـ:
• جاهزية مرتفعة
• رسائل ردع مكثفة
• تحضير مسارح العمليات
• دون إعلان نية الضربة
مرحلة تكتمل فيها عناصر القرار دون أن يُعلن القرار.
هذه هي لحظة “ما قبل القرار”.
🔲 سابعاً:الأسواق… المؤشر الذي لا يكذب دائماً
الأسواق العالمية لا تتحرك بالتصريحات،
بل بإدراكها لاحتمال الخطر الفعلي.
عندما تدخل أسواق الطاقة والعملات في حالة ترقب حاد،
وترتفع علاوات المخاطر،
فذلك يعكس تقديراً بأن احتمالية الطارئ ارتفعت.
لكن الأسواق قد تبالغ أحياناً في لحظات الضبابية.
اضطراب الأسواق لا يعني أن الحرب حتمية،
لكنه يعني أن هامش الخطأ في الحساب أصبح أضيق.
🔲 ثامناً: ما الذي قد يدفع إلى العتبة؟
الانتقال من الاستعداد إلى التنفيذ يحتاج محفزاً نوعياً، مثل:
• انهيار كامل لمسار التفاوض
• تقدير استخباري بتجاوز عتبة تشغيلية
• حادث ميداني كبير
• أو خطأ في الحساب من أحد الطرفين
دون محفز واضح،
يبقى القرار مؤجلاً رغم الجاهزية.
🔲 تاسعاً: القراءة الباردة
الولايات المتحدة مستعدة عسكرياً.
وإيران مستعدة لتحمّل مستوى من التصعيد.
لكن الطرفين يعلمان أن:
الحرب ليست ضربة واحدة،
بل سلسلة أفعال وردود.
ولهذا تبقى اللحظة الراهنة لحظة اختبار إرادات،
لا إعلان حرب.
🔲 الخاتمة: ما الذي سنعرفه بعد جنيف؟
إذا عادت جنيف دون مسار قابل للتثبيت،
فلن يكون التصعيد مفاجئاً،
بل نتيجة مسار تراكمي من التحذيرات والاستعدادات.
في الأزمات الكبرى،
القرار لا يُتخذ في لحظة،
بل يُبنى بصمت قبل أن يُعلن.
والتاريخ يعلّم أن أخطر الأخطاء
ليست في التهديدات المعلنة،
بل في سوء قراءة اللحظة التي تسبقها.
المنطقة اليوم تقف عند عتبة التنفيذ،
لكن العتبة ليست عبوراً بعد.
وما سيحسم الاتجاه
ليس الخطاب…
بل ما إذا كانت جنيف قادرة على كسر المسار،
أم ستكشف أن ساعة القرار اقتربت.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر