منبر العراق الحر :….*-ملف بحثي استطلاعي ، تحرير و ترجمة : لخضر خلفاوي…
عمدت إلى كتابة ملخّص حلقة مهمة من حلقات تاريخ الأمة الجزائرية العظيم، لإيقاظ الغافلين عنها و الجاهلين و المُشوّهين أيضا من أشباه النخب الجزائرية، تلك الأرواح الشاغرة و التافهة بقشورياتها و غرورها و مثيلاتها في الوطن العربي و العالم الغربي. “فرانسوا مورياك François Mauriac”، (1855/1970)، الكاتب الشهير الفرنسي، صاحب نوبل للأدب (1952)في زمن (الأدب) و في زمن مصداقية (الجوائز). و من أهم مؤلفاته :
“قُبلة الأبرص” (1922) Le Baiser au lépreux / صحراء الحب (1925) Désert de l’amour/ تيريزا ديسكيروThérèse Desqueyroux (1927) / عقدة الأفاعي (1932) Le Nœud de vipères/ لغز فرونتيناك (1933) Le Mystère Frontenac/ . إذن يقول الكاتب المحترم و المحب للهوية الجزائرية و للجزائريين ردا على سلوك أعدائهم الحاقدين:
“ينعتون تنمُّرا الجزائريين بـ”المغاربة القذرين”، متناسين أنه في هذا الصدد، كانوا يطلقون على القديس أوغسطين نفسه نفس الإهانة و الشتم، و يجهلون أنه كان -سيد الغرب- بلا منازع. يا لها من جهالة!”-فرانسوا مورينياك(نوبل للأدب).
« Ils traitent les Algériens de bougnoules, oubliant qu’en cela, saint Augustin, maître incontesté de l’Occident, le serait aussi. Quelle ignorance ! »
— François Mauriac, Prix Nobel de littérature.
-لنتعرّف من التاريخ الجزائري البعيد عن بعض أعلام هذه الأمة الذين شيّدوا حضارتها و صنعوا تاريخها القديم كَ “آباء الكنيسة Pères de l’Eglise” للديانة المسيحية، و آباء الحكمة و الفلسفة و الفكر. لهذا أردت أن ترافقوني لنتعرّف بالمناسبة على شخصية جزائرية محورية من مواليد هذه الأرض الطيّبة و الموحّدة، ولدت قبل “القديس أُغسطين” بحوالي 80عاماً و أسّست فكراً و مذهبا جدليا هزّ عرش الكهنوتيات و اللاهوتيات في حقبة تشكّل و انتشار العقيدة المسيحية و أربكَ إمبراطورية روما.
إنه “دوناتDonat/أو دوناتوس العظيم” النڨريني”. : فما هي إذن الدوناتية – donatisme؟”.
-في الرابع من جوان -يونيو-، يُحتفلُ بالقديس “أوبتاتوس دو ميلاف saint Optat de Milev (ميلة Mika ، و التي تبعد بحوالي 50 كلم عن شمال غرب قسطنطينة Constantine)، و الذي كان أول مفكّر و مؤلّف بارز جاهد في دحض “الدوناتية، أو الدوناتوسية”.
نذكر أنّ مرسوما صدر عن روما عام 304ميلادية، الذي طالب بتقديم -قربان عام- للآلهات الرومانية، مما أدّى إلى تفشّي الاضطهادات و أخذها منحىً تصعيديا خطيراً جديداً. فقد هُدِّد المسيحيون الذين رفضوا الامتثال لروما بالموت أو البعض الآخر حُكم عليهم بالأشغال الشاقة.
كانت الدوناتية donatisme حركة مسيحية أُتِّهمت “بالهرطقية” و (البدع) و بفتنتها التي ظهرت في القرنين الرابع والخامس، وتحديدًا عام 311م، و كان ذلك عقب رَسْمنة و تعميد أو -قَدْسَنة- سيسيليان Cécilien، كأسقف لقرطاج. و كان من الملفت أن تلك المراسيم الدينية أُقيمت في غياب أساقفة نوميديا (شرق الجزائر حاليًا)، على الرغم من أن عميدهم كان مسؤولًا مُعتمداً عن الإشراف عليها. و من خلال هذه السّابقة أُستَفزَّ إعلان و إشهار هؤلاء الأساقفة -السبعون- بطلان تكريس أو -قَدْسَنة-*(تعميد) أسقف قرطاج، زاعمين أن أحد المُرسّمين و هو الأسقف “فيليكس الأبتونجوFélix d’Aptonge”، كان “خائنًا” للديانة المسيحية؛ و كان مُذنبًا بتسليم -الكتب المقدسة- لِرومان الوثنية أثناء الاضطهادات التي حدثت. وانتخبوا مكانه “ماجورانوسMajorin، الذي توفي بعد ذلك بوقت قصير جدا، فخلفهُ “دوناتوس ماغنوس” العظيم Donat le Grand (Donatus Magnus)، أسقف “سيلاي نيغراي في نوميديا (نڨرين الحديثة حاليا الواقعة بجنوب تبسة).
**
-و نظّم القس “دوناتوس العظيم” المعارضة في مجلس بالغ الأهمية عُقد في قرطاج عام 312م، داعيًا إلى تطبيق صارم للنصوص و التعاليم المقدسة، ومحرّضًا بذلكَ العديد من المزارعين البربر ضد المستعمرين الرومان. للإشارة فإنه بعد اعتناق الإمبراطور “قسطنطينConstantin” المسيحية من خلال نشر مرسوم “ميلانو عام 313 l’Edit de Milan en 313″، اعترفت الإمبراطورية بِ”سيسيليانCécilien” أسقفًا شرعيًا لقرطاج. وفي الثاني من أكتوبر، حَرَم البابا “ميلتيادس Miltiade” “دوناتوس العظيم” كنيسيًا. و خلال استئناف الفرصة الأخيرة أمام المحكمة الشرعية التابعة للبلاط الإمبراطوري عام 316م، أثبت صوت و قرار البلاط المتحيّز من خلاله أن اتهام “فيليكس الأبتونجو” بالخيانة كان افتراءً و باطلا مبنيًا على تزويراتٍ لفّقها الدوناتيون، وأن خونة حقيقيين كانوا من بين مُرَسِّمي، و معتمِدي “ماجورينوس Majorin”. حينها، تدور الدائرة فعاقب “قسطنطين الدوناتيين” بشدة، بل خصّهم بأمرية مصادرة كنائسهم و ديرهم مع إلزامية نفي قادتهم، و أئمتهم. و اشتدّت الحركة العصيانية المعارضة منذ أواخر أربعينيات القرن الرابع الميلادي أفضت إلى تحالف الدوناتيين مع حركة الكادحين من العمال المزارعين الذين كانوا يكافحون و يناضلون ضد ملاك الأراضي، و كلّ شكل من أشكال (الإقطاع) بالمفاهيم الحديثة. جاب المتمردون، الذين يُطلق عليهم اسم “سيركونسيليون ” (نسبةً إلى “سيركوم سيلاس”، « circoncellions » (de circum cellas أي “الذين ينتقلون من حظيرة إلى حظيرة”)، و من ضيعة إلى ضيعة في الأرياف، ينهبون ويحرقون ويقتلون، و في ذات الوقت يتطلعون إلى الشهادة في سبيل إيمانهم العميق بالديانة المسيحية، مدّعين أن لديهم مهمة لإنصاف المظلومين وإعادة المساواة، هكذا -شِيعَ و روّجَ – عنهم من قبل خصومهم في السلطة الدينية، الإمبراطورية أنذاك. و كان الثوار الدوناتوسيين يجُوسون حول الديار و مخازن الحبوب بهدف الاستيلاء عليها غصباً جرّاء المطاردة و (الحصار عليهم) و بسبب الجوع أيضا و اشتداد الفاقة/.
-كانت “الثورة الدوناتية” وجها آخراً للمقاومة الأمازيغية (للبرابرة) في شمال إفريقيا حيث تجاوزت المقاومة العسكرية إلى نوع آخر من الصّراع الهويَاتِي متمثل في النضال الديني والاجتماعي. و حارب الأمازيغيون الإمبراطورية الرومانية المسيحية بنفس السلاح العقائدي للتخلص من الاستعمار ومناهضة الاضطهاد والاستغلال و العبودية. و كانت الثورة الدوناتية وقود فتنة أصاب الإمبراطورية الرومانية و استفزّ الكثير من الثورات و بؤر التوتّر، و ساهمت ثورة “الدوناتوسيين” في ظهور الكثير من الجماعات المتمردة عن السلطة الرومانية. بما في ذلك تأجيج الصراع على المعطى الديني، وتناحر السلطتين: الدينية والسياسية على المستوى المركزي في العاصمة الرومانية.
فلاحقتهم القوات الإمبراطورية بكلّ ما أُوتيت من قوّة وأبادت الكثير منهم. وفي نهاية المطاف، نفى الإمبراطور “قسطنطين الأول L’empereur Constantin “دوناتوس العظيم Donat le Grand”، حيث تشير المصادر أنه توفي عام 355 ميلادي.
-في عام 361 ميلادية، أعاد “جوليان المرتدّ Julien l’Apostat ” للمعارضين من “الدوناتوسيين” جميع مكتسباتهم و حقوقهم. ثم كتب “بارمينيانParménien”، خليفة “دوناتوس” في منصب أسقف قرطاج، “دفاع الدوناتية/الدوناتوسية”، ناصّاً على أن صحة أي سرّ من أسرار الكنيسة تعتمد على نزاهة الكاهن . أما الأسرار التي يمنحها رجال دين غير شرعيين فهي لا قيمة لها، بغض النظر عن الحالة الروحية للمتلقي أو صحة إجراءات تنفيذها. و منه يخلص هذا إلى وجوب إعادة تعميد الكاثوليك وإعادة تكريس المباني المقدسة.
-للإشارة كان ذلك أثناء أوجّ الصّراع و ذروة الأزمة، حيث كتب “أوبتاتوسOptat” ستة من أصل سبعة كتب في رسالته ضد الدوناتية، موجهاً كلامه إلى “بارمينيان”، ومقدماً بذلك أول رد لاهوتي قوي على الانشقاق، أو الردّة عن فكر كهنوتيات الكنيسة في مرحلة حرجة. فمهّد بذلك الطريق لأوغسطين، الذي تبنى العديد من حججه في مجلس، و مجمّع “هيبون synode d’Hippone (عنّابة)عام 393 ميلادية، و ذُكّر بذلك في مؤتمر قرطاج، الذي عُقد في الفترة من 1 إلى 26 جوان 411 م، تحت رعاية الإمبراطور، و بحضور 279 أسقفاً “دوناتياً” و286 أسقفاً كاثوليكياً، وكان “أوغسطين Augustin متحدثاً باسمهم جميعاً. و هنا في هذا الموعد التاريخي انتصر مذهب الكاثوليك. كما أصدر “هونوريوس فلافيوس Honorius Flavius، إمبراطور العالم الغربي (395-423) قوانينا جديدة مناهضة للدوناتية كطائفة مسيحية رافضة، antidonatistes، فنُقِلتْ مُجدّدا كنائسهم وممتلكاتهم إلى هيئات الطائفة المنتصرة و هم الكاثوليك، ونُفي مرة أخرى رجال دينهم، وغُرِّم أتباعهم المخلصون. و في ظل حكم “الوندالVandales “، تعرض كلٍّ من الدوناتيين والكاثوليك للاضطهاد معاً. و خلال العصر البيزنطي، اتخذ الإمبراطور البيزنطي byzantin بدوره “جستنيان الأولJustinien Ier، الذي حكم من عام 527 إلى 565، مزيدًا من الإجراءات القمعية و التعسفية ضد الدوناتيين. إلا أنه ظلّت روح الدوناتية منتشرة بشكل متفرق حتى مجيء العرب من خلال الفتوحات الإسلامية. هذا ما خلص إليه في ملفه التاريخي “نيكولاس لهرنولد Nicolas Lhernould على موقع “الكنيسة-الكاثوليكية”.
**
-ويعتبر من أهم زعماء تاريخ الجزائر من البرابرة الذين واجهوا روما بكل ما أوتيوا من شجاعة و علم. و أيضاً من أهم المدافعين عن العقيدة المسيحية -وقتهاَ- في الوسط الأمازيغي، إذْ يُعتبر قسّاً معارضاً وراهباً و ثورياً عنيداً، ليصبح بعد ذلك زعيما دينيا كبيرا لطائفة مسيحية في إفريقيا الشمالية، كما كان له أتباع كُثرٌ يدافعون عن -شيعتهم العقيدية- التي أسسها “دوناتوس” تنظيراً وممارسةً. و ألّف “دوناتوس العظيم Donatus Magnus” قبل ميلاد “القدّيس أُغسطين” في حقبته كتابا دينيا حمل عنوان”الروح القدس Saint-Esprit” باعتباره زعيماً للمذهب الديني الدوناتوسي الذي تشكل في خضم الصراع الكنائسي الذي دار في تلك الحقبة بعد فجر الديانة المسيحية.
**
*للفهم أكثر علينا طرح السؤال مجددا: ماذا عن -صراع الأخوة الأعداء- الذي دارَ بين القديس أوغسطين والدوناتيين؟
Et que dire de la « querelle fraternelle » qui opposa saint Augustin aux donatistes ?
-هو تاريخ صراع سياسي ولاهوتي حدث في شمال أفريقيا. لُخّص في منشور تزامنا مع زيارة بابا الفاتيكان “ليو 14 للجزائر في 13 أفريل 2026، في شكل مقال باللغة الفرنسية وقّعه “مجيد مقضي Madjid Makedhi في يومية (الوطن). حيث كُتبَ: كانت شمال أفريقيا مسرحًا لجزء هام من تاريخ المسيحية والكنيسة. وكان أبطال هذه الحقبة المؤلمة من حياة أبناء البربر الأصليين، وهم أتباع القديس “دوناتوس العظيم”، ابن “النّمامشة Nememchas، مؤسس فرع أو شيعة متشددة من المسيحية تُعرّفُ باسم “الدوناتية”، والقديس أوغسطين، ابن تاغاست (سوق أهراس)، والمدافع الشرس عن وحدة الكنيسة. لم يُبدِ في صراعهما الديني أي من الطرفين أي رحمة و ذلك لسنوات عديدة، وتحت تأثير الإمبراطورية الرومانية، اتسمت المنطقة بصراع سياسي ولاهوتي شرس.
-هذا ما يدفعنا إلى إلقاء نظرة إلى الوراء البعيد من تاريخ صراع ديني ضارٍ في نوميديا(الجزائر حاليا)… لقد دار هذا الصراع بين القرنين الرابع والخامس الميلاديين. حيث ظهرت (كما ذكرت في بداية هذا الملف) الدوناتية/ أو الدوناتوسية قبل ميلاد القديس أوغسطين بسنوات. و نشأت هذه الحركة أو التيار الديني إثر خلاف حاد بين قادة الكنيسة آنذاك، وذلك في عام 311 للميلاد.
**
-*القديس أُغسطين St-Augustin و دحض الانشقاق/الردّةschisme/التّشيّ عْ :
كما ذكرت اشتدت الأزمة بكلّ بؤر التوتّر، وفي هذا السياق، كان المسار الذي اختاره القديس أوغسطين لمواصلة النضال ضد خصومه من الدوناتية، على مرحلتين. دعا هذا الرجل الديني في البداية إلى الإقناع. ولكن في مواجهة “تعصب خصومه”، أيّد القديس أوغسطين تطبيق القوانين الإمبراطورية اللامتسامحة، بل وبرر قمع الدوناتيين. كتب هذا في رسالة إلى الأخ فانسون Vincent: فحواها “تلقيت رسالة أعتقد أنها منك؛ أحضرها إليّ كاثوليكي، أظن أنه لا يجرؤ على الكذب عليّ. ولكن إن لم تكن هذه الرسالة منك، فسأرد دائمًا على كاتبها”. إنني الآن أكثر رغبةً في السلام وأكثر حرصًا عليه مما كنت عليه حين عرفتني شابًا في قرطاج Carthage، حين كان سلفك “روجات Rogat” لا يزال حيًا؛ لكن الدوناتيين مضطربون لدرجة أنني أرى ضرورةً قمع هذه الطائفة و وتقويم المؤمنين بمذهبها من قِبل قوى الله القائمة. وأضاف: “إن بعضهم، بعد عودتهم، يُدخلون السرور إلى قلوبنا: فهم يُظهرون تمسكًا صادقًا بالوحدة الكاثوليكية، ويدافعون عنها بكل حماس، ويفرحون فرحًا عظيمًا لنجاتهم -من الضلال- و عودتهم إلى جادّة الصواب، حتى أنهم مصدر إعجاب لنا. ومع ذلك، فإن هؤلاء أنفسهم، بحكم العادة، ما كانوا ليفكروا في التغيير نحو الأفضل لولا أن الخوف من القوانين دفعهم إلى البحث عن الحقيقة.” ويواصل القديس أوغسطين تبرير القمع ضد المتمرّدين من الدوناتوسيين بقوله: “كنا سنرد الشر بالشر لهؤلاء الرجال؛ ألدّ أعداؤنا سابقاً، الذين أزعجوا سلامنا و هدوءنا بشتى أنواع العنف والخيانة، لولا أننا، و من خلال الازدراء والصبر، فكرنا في أي شيء، وفعلنا أي شيء من شأنه أن يثير الرُّعب و الخوف في نفوسهم فيُؤدّبهم”. فالرجل الديني نجح في إقناع السلطات الإمبراطورية من خلال -مؤتمر قرطاج (411)- ، حيث ناقش الدوناتيين أنفسهم، مما أفضى إلى إدانة الحركة رسمياً و متسببا في النهاية إلى انحطاطها، و أفولها.
-(للتذكير فمن الجانب الكاثولوكي قاد المعركة القدّيس “أوغسطين” و انتصر رسمياً على خصومه من الدوناتوسيين سنة 412 ميلادي.)
-فمن هو القدّيس “دوناتوس ماغنوس Donatus Magnus (أو دوناتوس العظيم)؟
لقد ولد “دوناتوس حوالي عام 273 ميلادي في “ثيفاست Theveste” العريقة(تبسة الحالية في الجزائر)، وتوفي حوالي عام 355 ميلادية.كان أسقفًا منشقًا/مُرتدّا في شمال إفريقيا، وقد أطلق أتباعه اسم “الدوناتيين/الدوناتوسيين”.
-لهذا أثار أسقف “كاساي نيغراي في نوميديا/ نڨرينNégrine (حاليا، و الواقعة على تراب ولاية تبسة) / Évêque de Casae Nigrae de Numidie/ انشقاقًا و رِدَّة حوالي عام 305 ميلادية و ذلكَ برفضه العفو و السماح للخونة (traditores)، أو المرتدين، بالانضمام إلى الكنيسة، أي أولئك الذين سلموا الأواني والكتب المقدسة للوثنيين (païens)خلال اضطهاد “ديوكليسيان Dioclétien”وبذلك، و حسب وجهة نظر الكنيسة الرومانية -الرسمية وقتها-، أنكر المسيحية. وبصفته قائدًا حازمًا للاحتجاج على تعيين أسقف قرطاج عام 307، كان وراء الانشقاق الذي يحمل اسمه (الدوناتية)، والذي قسَّمَ المسيحيين الأفارقة خلال القرن الرابع. عزل أسقف قرطاج، “كايسيلونوس Caecilianus، الذي اتهمه بالتساهل مع الخونة؛ لكنه هو نفسه و نظرا لسلوكه هذا حُرم كنيسيا من قبل البابا “ميلتيادس Miltiade(313)” من خلال مجلس روما (313)، و مجلس آرلArles (314). يثور لتياره و فكره المعارض، و يقوم مع أنصاره و أتباع مذهبه بأكبر الخروقات و التجاوزات ضد المسيحيين غير (الموالين) أي غير المنشقين، ليتسبب في الحرب الدينية/ الأهلية معاً التي أربكت الاستقرار في أفريقيا في عهد “قسطنطين الأولConstantin Ier وخلفائه، ليستمر الشقاق و اللااستقرار إلى غاية غزو الوندالVandales، الذين اضطهدوا الدوناتيين والمسيحيين على حدّ سواء!.
خلفه “بارمينيانParménien”. كما ظلّ وقتها المعنى العميق للانشقاق(التشيّع المسيحي schisme) محل نقاش؛ إذ يُمكن اعتباره نتيجة صراع عرقي بين السكان الرومانيين والنوميديين، أو صراعًا طبقيًا بين المستعمرين والسكان الأصليين. والأعمق من ذلك، أن هذه الجوانب الاجتماعية والسياسية متجذرة في تاريخ الكنيسة الأفريقية، حيث حافظت الكنيسة الدوناتية/(الدوناتوسية) على التقاليد المحلية، ولا سيما تلك التي تتمحور حول -تمجيد الشهداءle culte des martyrs-.
*
(لهذا كلّما سمعتُ في المشهد الجزائري الحديث ترديد عبارة -المجد و الخلود لشهدائنا الأبرار- في المناسبات الرسمية، تحيلني العبارة إلى القرن الرابع الميلادي و تحديدا إلى تفاصيل حقبة “الدوناتوسية” فأكاد أن أجزم أنّ هكذا عبارات تمجيدية تأبينية تعود إلى عصر ثورة الجزائري النوميدي “دوناتوس العظيمDonat le Grand (Donatus Magnus”)./ل.خ.
« Ainsi, chaque fois que j’entends la phrase – Gloire et éternité à nos justes martyrs – répétée dans les cérémonies officielles dans paysage algérien moderne, cette phrase me ramène au IVe siècle après J.-C. et plus précisément aux détails de l’époque « donatusienne », je suis donc presque certain que de telles phrases glorifiantes et élogieuses remontent à l’époque de la révolution numide algérienne de « Donat le Grand » (Donatus Magnus).L.Khelfaoui.
-عليّ أن أُشير أنّ الكنيسة “الكاثوليكية” كانت في الواقع تتعامل بعقلية مركزية، كَ كنيسة “ما وراء البحار” l’Église « ultra-marine » للسكان الأصليين، ساعيةً بفوقية إلى فرض قواعد عالمية في مواجهة الخصوصية القومية/الوطنية. دامت على هذه العقلية التمييزية و العنصرية إلى أنّ ظهرت موهبة و عبقرية الجزائري (النوميدي)ألا و هو “القديس أوغسطين” و باستخدام فلسفة توحيدية لحلّ هذا /الانشقاق الشيعي/، أو الطائفي (schisme)، و إصلاح ذات البين في العالم المسيحي .
-لا يمكن إذن أن نتجاهل أنّ “المذهب الدوناتي” ساهم بشكل كبير في إضعاف و في تدهور الإمبراطورية الرومانية و سبّب بدوره في انكماش مدّها حتّى حلَّ محلها “التواجد الغازي الوندالي والبيزنطي.
للتذكير فإنّ موطن القسّ “دوناتوس العظيم” هي منطقة نڨرينNégrine التابعة لولاية تبسة، ارتسمت حدودها من الشمال دائرة “بئر العاتر” ومن الشرق “الجمهورية التونسية” و من الجنوب ولاية “الوادي” ومن الغرب “بلدية فركان وبلدية ثليجان”.و تعدّ بلدية نڨرين من بوابات الصحراء الجزائررية.
**
(شعب يجهل تاريخه، هو في الحقيقة شعب عبء على الهوية و نخبه التي تركّز على تفاصيل -الفروج و الشهوات- و القشوريات و -الكتابات المَنَوية المقصودة- و المُكثفة بهوس مرضي شديد و لا تعرف عن ماضيها الحضاري البعيد إلا القليل؛ من المستحيل أن يُقيموا حضارة بكلّ عمق المعنى كما فعلها أسلافنا!”/ل.خ.
« Un peuple ignorant de son histoire est un peuple dont l’identité est un fardeau, et ses élites qui se concentrent sur les détails – les parties intimes et les désirs – et les superficialités et les -écritures spermatozoïdales- intentionnelles et intensives avec une obsession morbide sévère, et qui connaissent peu leur passé civilisationnel lointain, il leur est impossible d’établir une civilisation dans toute la profondeur de sens que nos ancêtres ont faite ! » L.khelfaoui.
—
-إلا أنّ الاستيقاظ المتأخّر خير من السبات العميق و الأبدي، فيبدو أنّ التنبيه الذي أحدثته زيارة البابا ” ليون 14 Pape Léon XIV ” الذي كان يدعى “روبار فرنسيس بريفوس Robert Francis Prevost، حيث عرّفت زيارته لبعضهم إلى ضرورة تقليب صفحات التاريخ و إعادة ترتيب مع التأكيد عناصر الهوية الوطنية المشتركة.
و الدليل على ذلك بعث النسخة الأولى من لقاءات الفكر الأفرو-متوسطية حول: “القديس أوغسطين” حيث استضاف مركز عبد اللطيف رحال Abdelatif Rahal الدولي للمؤتمرات مؤخراً حدثاً فكرياً وعلمياً هاماً.. و كانت -النسخة الأولى من لقاءات الفكر الأفرو-متوسطية في الجزائر-، والتي عُقدت يومي 29 و30 أفريل 2026. كما تطرقت له صحيفة “الوطن” El-Watan اليومية الناطقة بالفرنسية، و قد تم اختيار هذا الموضوع الرمزي بدلالته القوية: إذ خصصت اللجنة العلمية لهذه اللقاءات -الطبعة الأولى- الافتتاحية لأعمال القديس أوغسطين تحت عنوان: “أوغسطين: انعكاس جزائري وأفريقي ومتوسطي : «Augustin : une émanation algérienne, africaine et méditerranéenne»”، بحسب
التقرير الذي نشرَ.
———-
-ماي 2026
—-**تنبيه: هذا الملفّ، لم يتمّ -تدقيقه- لغويا بصفة نهائية، بما في ذلك اصطياد الهفوات الرقنية!.
*© كل التعابير و المصطلحات الغريبة عن المعجم العربي الكلاسيكي هي مصطلحات خاصة بمعجم الكاتب الخاص(ل.خ)، يجب ذكر مصدرها أثناء استعمالها احتراما للملكية الفكرية.
**-(ل.خ) (L.K)
*لخضر خلفاوي، أديب، مفكّر، مترجم، إعلامي و فنان تشكيلي (جزائري-فرنسي)
*Lakhdar Khelfaoui, écrivain, penseur, traducteur, journaliste et artiste peintre (Franco-algérien).


منبر العراق الحر منبر العراق الحر