العبودية الفكرية في الحقل الإعلامي ، مظاهرها وتأثيراتها على تشكيل الوعي المجتمعي … د . أنور ساطع أصفري .

منبر العراق الحر :

العبودية أيّاً كان توجّهها ، وفي أي مجال ، هي ثقافة ونظام يتمّ من خلاله إجبار الناس على العمل بعيداً عن الحرية ، وعن التفكير ، وعن المطالبة بالحقوق ، في الوقت الذي يستفيد فيه الآخرون مادّياً ويتسلقون ، هذه الثقافة معمول بها عبر التاريخ ، حيث إتخذت العبودية نماذج وأشكال مختلفة ، ويبقى القاسم المشترك بين هذه النماذج هو بتر حرية الأفراد ، وحرمانهم من أي حقوق سياسية أو إجتماعية أو قانونية ، وهكذا انتقلت العبودية من الآباء إلى الأبناء مروراً بأجيالٍ متتابعة ، إلى أن توقّف العمل بها عام 1948 ، حيث حُظرت عملاً بإعلان الأمم المتحدة لحقوقِ الإنسان .
إن العبودية بالمنظور الأوسع هي مؤسّسة قمعية ، وهي نتاج علاقاتٍ إنسانية مُعقّدة ، وتتلخّص على إجبار الطبقة الأضعف على الرضوخ والمعاناة بسببِ رغبةِ الأقوياء في المجتمع ، للسعي وراء الشهرة والسلطة والنفوذ على الآخرين ، بدافع الجشع والرغبة في السيطرة .
إنّ مسألة العبودية هي دائمة ، وقائمة ، حيث أنّ العبودية في كلّ عصر تتّخذ ركيزة أساسية لها .
إنّ العبودية الفكرية هي التحكّم في المعلومات ، ومرتبطة بالعبودية الفلسفية ، من خلال السعي الأكاديمي .
قولاً واحداً ، نحن لسنا أحراراً ، لأنّ المكان هو عشوائي و مليء بالتجارب على أدمغتنا وأفكارنا ، والعبودية الفكرية المتخفّية تلتهم المواطن من الداخل .
إنّ العبودية الفكرية هي ورمٌ خبيث ينتشر في أدمغة البشر ، ويُلوّث نسيجها الثقافي والاجتماعي ، آخذين بعين الاعتبار بأنّ العبودية الفكرية هي أشدّ وجعاً وأفتك خطراً على الشعوب من العبودية الجسدية .
وكلّ ما يحتاجه المستبد هو فكرة شريرة يدغدغ بها مشاعر الناس ، ويخاطب بها عواطف البلهاء ، أو قضية مقنّعة يُعيد من خلالها تشكيل الواقع كما يشاء .
ومن يبحث في صفحات التاريخ بغض النظر إن كان قديماً أو حديثاً ، سوف يرى العلل المميتة لإرادة الشعوب ، وكيف استطاعت الشعارات البرّاقة امتلاك إرادة وعقول الناس ، والسيطرة عليها ، واستغلال سذاجتها واستعبادها ، من هنا نستطيع أن نحدد حجم وخطورة العبودية الفكرية .
من يُتابعون الواقع يُدركون تماماً ، أنّ الإعلام يلعب دوراً محوريّاً في صقل وتشكيل الرأي العام ، حيث تُعتبر الصحافة أبرز الأدوات الإعلامية وتلعب دوراً يؤثّر على السياسة والمجتمع ، من خلال تقديم المعلومات وتحليل وقراءة الأحداث .
إنّ الإعلام هو سلطة تملك قدرات تأثيرية جليّة على تحديد مسار الرأي العام والتأثير السياسي .
ولكن للأسف ما نلمسه من الواقع المُعاش هو ليس سلطة الإعلام ، بل إعلام السلطة ، الذي تُمارسه الأنظمة العربية على إمتداد الساحة العربية المترامية الأطراف ، بهدف تعزيز سلطتها ، وتوجيه الرأي العام وفق مصالحها وأجنداتها ، وتوجيه الرأي العام نحو الأهداف والشعارات الخاصّة بالسلطة الحاكمة وبمراكز القرار . وبالتالي السيطرة على الرأي العام وتوجيهه ، والتلاعب بالعقول وبفكر الأجيال .
حيث لم يعد الإعلام مُجرّد وسيط لنقل الأحداث ، بل تحوّل إلأى أخطر الفاعلين في تشكيل الوعي الجمعي ، وتوجيه مسيرة الرأي والإدراك العام .
فهو لا يتوقّف عند عكس الواقع ، بل يُعيد إنتاجه وفق منظومة مصالح وقوى متحكّمة .
ومن خلال هذا الواقع تتشكّل لدينا وتبرز إشكالية ” العبودية الفكرية ” بوصفها ظاهرة مُتحكّمة داخل المؤسّسة الإعلامية ، ليس باعتبارها انحرافاً عارضاً ، بل كحالةٍ مُزمنة من الارتهان المعرفي والوظيفي .
إن العبودية الفكرية في الحقل الإعلامي تعني بصريح العبارة أن يتحوّل هذا الحقل من مساحةٍ للحرية والتعددية ، إلى فضاءٍ مُغلق يُعيد تدوير نفس الخطاب والشعارات ، ويُقصي كلّ ما يُهدد النسق المُسيطر والمُهيمن .
إنّها حالةٌ يفقد فيها الإعلامي استقلاليته ، وتفقد فيها الوؤسّسة الإعلامية رسالتها وأهدافها ، ويُختزل دور الجمهور ليتحوّل إلى مُتلقٍ سلبي ، يُعاد تشكيل وعيه وفق ماهو مخطط ، و وفق ما يُراد له أن يرى ويفهم .
لذلك نرى أن العلاقة بين الإعلام وبين الأنظمة السياسية ، هي علاقة تبعية وانصياع ، وهنا تتجلّى العبودية الفكرية بصورها الجليّة ، حيث تبدو السلطة هنا بصورة المهيمن الذي يتعمّد إلى إظهار السلطة بأنها تخدم المستضعفين من أبناء الشعب ، بينما هي تخدم فئة واحدة من الأعوان والتابعين والمتسلّقين .
العبودية الفكرية هنا ليست مجرّد تبعية تلقائية ، بل هي نمط من ” الاستبطان القسري ” الذي يجعل الأفراد أو المؤسسات يتبنّون خطاباً مُعيّناً دون وعيٍ كاملٍ بالإكراه ، إنها حالةٌ من التكيّف مع منظومة فكرية في مطلق الهيمنة ، بحيث يصبح الخروج عن عباءتها صعباً أو مستحيلاً .
ويتضح هذا الواقع داخل المجال الإعلامي ، حيث تتخذ هذه الظاهرة أبعاداً معقّدة ، ففي المجال المعرفي ، يتم تضييق أفق التفكير ، ويتم حصر التحليل إلاّ ضمن قوالب جاهزة ، وهذا يؤدّي إلى شحّ الخطاب الإعلامي وتحويله إلى تكرارٍ روتيني بنمطٍ وحيد .
وفي المجال النفسي ، يتشكّل عند الإعلامي خوفٌ ضمني من تجاوز ” الخطوط الحمراء ” ممّا يُعزّز الرقابة الذاتية .
وفي المجال الإجتماعي ، يُعاد إنتاج نفس القيم والتصوّرات التي تخدم بنية الهيمنة ، بما يُعمّق الفجوة بين الوعي بحقيقته والوعي مسبق الصنع .
إن هذه العبودية الفكرية لا تُفرض دائماً بالقوة ، بل تتسلّل عبر الاعتياد والتطبيع والتلقين ، حتّى تصبح جزءاً أساسياً من طبيعة المهنة ذاتها .
هكذا هي العبودية الفكرية ، تتجلّى حينما يتم تقييد العقل ضمن حزمةٍ من الأفكار والمعتقدات ، التي تعرّقل حرية الإبداع والتفكير الحر والنقد ، وتحوّل الإنسان وتجعله جزءاً أساسيّاً من عملية استعباده لنفسه .
إنّ الإعلام ليس كياناً مستقلاً في الفراغ ، بل هو ضمن شبكةٍ مُعقّدة من العلاقات مع السلطة السياسية والاقتصادية ، وهذه العلاقات لا تكون حيادية في كثيرٍ من الأوقات ، بل تؤسّس لمنظومة من التبعية ، التي قد تكون متبادلة أحياناً .
حيث أن السلطة السياسية لا تحتاج دائماً إلى القمع المباشر ، ويكفي بالنسبة لها أن تتحكّم في تدفق المعلومات ، أو تمنح الامتيازات ، أو تفرض إطاراً عاماً للنقاش ، بهدف ضمان انضباط الخطاب الإعلامي .
كما أن السلطة الاقتصادية تُمارس نفوذها عبر التمويل والإعلانات ، ما يجعل الإعلام خاضعاً لمنطق الربح ، حتّى لو كان ذلك على حساب الحقيقة .
كلّ هذه الأمور ينتج عنها إعلاماً ” وظيفياً ” لا يعنيه البحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى إلى الحفاظ على التوازنات القائمة بشكلٍ هرمي .
بهذه الحال تتحوّل العبودية الفكرية إلى خيارٍ ضمني إمّا ” الامتثال والبقاء ” أو ” المواجهة والإقصاء ” .
بكلّ تأكيد تتجلّى العبودية الفكرية في المقام الإعلامي عبر ممارسات متعددة ، بعضها أصبح مألوفاً إلى درجة أنه لم يعد يُنظر إليه بمثابة إشكال .
حيث يتم تقديم الوقائع ضمن سياق مُحدّد يخدم تفسيراً مُعيّناً .
وإعادةِ نفس الروايات حتّى تتحوّل إلى ” حقائق ” في وعي المتلقي أو الجمهور .
و تجاهل الأصوات الصاعدة المُخالفة بدلاً من مواجهتها .
والتماهي مع الخطاب الرسمي دون مُساءلةٍ حقيقية أو تفكيك نقدي .
وتجاهل القضايا المُعقّدة وتحويلها إلى مُحتوى سريع الاستهلاك ليس إلاّ .
وصناعة الإجماع الوهمي من خلال إيهام الجمهور أن رأياً مُعيّناً هو السائد أو الوحيد .
طبعاً هذه المظاهر لا تُعبّر فقط عن خللٍ مهني ، بل عن بُنيةٍ عميقة تُعيد إنتاج العبودية الفكرية بشكلٍ يومي ومنهجي .
من خلال هذا النسق تستند العبودية الفكرية إلى إستعباد العقل والقلب والرؤى والأفكار ، وتجعل من الإنسان فرداً خاضعاً ، ويتم توجيهه بسلاسة دون الحاجة لإستخدام أي عنف .
فحينما يخضع الإعلام لهذه البنية ، عندها تفقد الرسالة الإعلامية بريق جوهرها :
حيث تتحوّل الحقيقة إلى سرديات بعيداً عن أي معيار ، كما يصبح الخبر أداة توجيه وليس وسيلة معرفة ، ويُعاد تشكيل الواقع فقط وفق ما يُلبي مصالح وأجندات مُعيّنة ، وليس وفق ما هو قائم وملموس .
وعلى صعيد الرأي العام تكون النتائج أكثر خطورة :
حيث يتم تفريغ وعي الرأي العام من طابعه النقدي ، وتحويله بشكلٍ أو بآخر إلى وعيٍ استهلاكي . وبالتالي إنتاج جمهور منقاد ، لا يمتلك أدوات التحليل أو المساءلة ، وتطبيع ونشر الهيمنة ، بحيث يتم قبولها كأمرٍ طبيعي لا يُناقش .
وبهذا الشكل لا يعود الإعلام مُجرد ناقلٍ للأفكار ، بل يُصبح مصنعاً لإعادة تشكيل العقول في اتجاهٍ واحدٍ وفريدٍ غالباً .
ولمواجهة هذه الظاهرة والحدّ من العبودية الفكرية وتعزيز استقلالية الإعلام ، يتطلّب مقاربة وعلى مستوياتٍ مختلفة :
حيث لا بُدّ من تحرير البنية التمويلية للإعلام من خلال دعم نماذج مستقلّة لا تخضع لهيمنة المُعلنين أو السلطة أو مراكز القرار .
وبالتالي إعادة بناء وصياغة التكوين الإعلامي ، بحيث يُركّز على التفكير النقدي ، وليس على المهارات التقنية فقط .
وتعزيز موضوع المُساءلة والشفافية داخل الحقل الإعلامي .
ودعم التعددية الإعلامية لضمان توفّر تنوّع الأصوات والأفكار والرؤى .
وتمكين الجمهور معرفياً كي يملك القدرة على التفكيك والنقد ، و ليس مُجرد مُتلقّي .
إنّ التحرر من العبودية الفكرية ليس قراراً يُتخذ ، بل هو مسار ثقافي متشعّب وطويل ، يبدأ من نقطة إعادة تعريف ما هيّة دور الإعلام .
إنّ التحرّر الفكري لا يتحقّق ولا بأي شكلٍ من الأشكال من خلال الإنفصال عن المحيط أو العالم ، بل يتحقّق بالتحرر من احتكار المعنى ، لتحريره من الانغلاق .
إنّ أنسنة الرؤى ليست مُجرّد إصلاح تربوي وثقافي ، بل هي ممارسة جماعية للوعي النقدي ، ليمنح الأجيال القدرة على مساءلة المنهج الذي شكّل وعينا وفهمنا للعدالة وللحياة ، بدلاً من الاكتفاء بالإملاء والإلتزام بالإكراه .
نحن لا نستطيع إصلاح العبودية الفكرية في المؤسسات الإعلامية من خلال بعض التوصيات ، لأن هذه العبودية مُتجذّرة وتدار بعناية ، لأنّها تخدم مصالح لا تريد أن يطفو الإعلام الحرّ ، لأن الإعلام المستقل يُشكّل خطراً عليهم ، ويفضح ويُزعزع السرديات الجاهزة .
الحقيقة التي تصدمنا ، هي أن الكتلة الكبرى من الإعلام اليوم لا يسعى إلى تحرير الوعي ، بل إلى ترويضه ، ولا يعمل على توسيع أفق التفكير ، بل يعمل جاهداً على تضييقه ، وهذا المسار لا ينتج عنه مواطناً ناقداً ، بل مُستهلكاً و مُطيعاً .
إنّ التحرّر من العبودية الفكرية هو موقف وجودي ، إمّا إعلامٌ حرّ يُقلق السلطة ويوقظ الجميع ، أو إعلامٌ يُخدّر العقول والرؤى ويُعيد إنتاج القطيع ،
وليس هناك أي مجالٍ لمنطقةٍ رماديةٍ بينهما .

اترك رد