منبر العراق الحر : تأمل في أول كلمة نطق بها المسيح على الصليب
«يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون.»
(لوقا 23: 34)
هناك كلمات تُقال ثم تُنسى…
وكلمات تغيّر مجرى التاريخ.
ومن بين كل الكلمات التي خرجت من شفتي المسيح، تبقى هذه العبارة من أكثرها إدهاشًا، لأنها لم تُنطق في لحظة راحة، ولا بعد انتهاء الألم، بل بينما كانت المسامير تخترق جسده، والسخرية تحيط به من كل جانب.
في تلك اللحظة، لم يطلب المسيح الانتقام.
ولم يدعُ إلى إنزال العقاب.
ولم يلعن الذين ظلموه.
بل رفع صلاة.
«يا أبتاه، اغفر لهم.»
هذه الكلمات ليست مجرد فضيلة أخلاقية.
إنها ثورة على منطق الإنسان.
فالطبيعة البشرية تميل إلى رد الإساءة بالإساءة، وإلى حفظ سجل الجراح، وإلى اعتبار الغفران تنازلًا عن الحق.
لكن الإنجيل يقدّم مفهومًا مختلفًا.
فالغفران لا يعني أن الشر لم يحدث.
ولا يعني أن العدالة لم تعد مهمة.
بل يعني أن الإنسان يرفض أن يسمح للشر بأن يحدد شكل قلبه.
إن الغفران، في المسيحية، ليس تبرئة للمسيء…
بل تحرير للمجروح.
تأملوا في كلمات المسيح.
لم يقل:
“اغفر لهم لأنهم أبرياء.”
بل قال:
«لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون.»
إنه لا ينكر مسؤوليتهم.
لكنه يرى ما هو أعمق من الفعل.
يرى الإنسان الذي أفسدته الخطيئة.
يرى القلب الذي فقد بصيرته.
فالخطيئة، قبل أن تكون تمردًا على الله، هي أيضًا عمى يصيب الإنسان.
ولهذا كان الغفران بداية العلاج.
إن أخطر ما يفعله الظلم ليس الجرح الذي يتركه في الجسد.
بل الكراهية التي يحاول أن يزرعها في القلب.
ولهذا كان المسيح يحارب الشر بطريقة لم يتوقعها أحد.
لم يسمح للشر أن يصنع منه إنسانًا يشبهه.
لقد رفض أن يستعير أدواته.
ولعل هذا هو المعنى العميق لكلمات الرسول بولس:
«لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير.»
(رومية 12: 21)
فالشر ينتصر مرتين.
مرة عندما يؤذي ضحيته.
ومرة ثانية عندما يحول الضحية إلى نسخة منه.
أما الغفران، فهو رفض لهذا الانتصار الثاني.
ومع ذلك…
ينبغي ألا نسيء فهم الإنجيل.
فالغفران لا يعني السكوت عن الظلم.
وليس دعوة إلى قبول الإهانة أو تعطيل العدالة.
لقد كان يسوع يغفر…
وفي الوقت نفسه كان يعلن الحق بلا خوف.
فالعدالة والغفران ليسا خصمين.
إنهما يلتقيان في قلب الله.
العدالة تحمي الحقيقة…
والغفران يحمي الإنسان من أن يتحول إلى أسير للكراهية.
لقد عاش عالمنا، وما يزال يعيش، حروبًا وانقسامات وثارات لا تنتهي.
وما من شعب إلا ويحمل ذاكرة من الجراح.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
هل يمكن لمستقبل الإنسان أن يُبنى إذا ظل الماضي هو الحاكم الوحيد؟
لا يعني هذا أن ننسى التاريخ.
فالنسيان ليس فضيلة.
لكن الإنجيل يدعونا إلى شيء أصعب:
أن نتذكر دون أن نكره.
وأن نطلب الحق دون أن نفقد الرحمة.
لقد كان الصليب، في نظر الناس، مشهد ضعف.
أما في نظر الإنجيل، فهو أعظم انتصار للمحبة.
لأن الإنسان يستطيع أن يقتل الجسد…
لكنه لا يستطيع أن يقتل قلبًا امتلأ بالله.
ولهذا خرجت أول كلمة من الصليب صلاة، لا صرخة انتقام.
إن الغفران ليس شعورًا لحظيًا.
إنه قرار يتجدد كل يوم.
وقد يكون من أصعب القرارات التي يتخذها الإنسان.
لكنه أيضًا من أكثرها تحريرًا.
فالذي لا يغفر، يبقى مربوطًا بمن أساء إليه، حتى وإن ابتعد عنه سنوات.
أما الذي يغفر، فلا يغيّر الماضي، لكنه يحرر المستقبل من سلطانه.
ربما لهذا لم يطلب المسيح من تلاميذه أن يحبوا أصدقاءهم فقط.
فهذا يقدر عليه الجميع.
لكنه قال:
«أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم.»
(متى 5: 44)
إنها ليست وصية سهلة.
بل مستحيلة…
إلا إذا سكن قلب الإنسان ذلك الذي قالها أولًا وعاشها حتى النهاية.
دعوة للتأمل
كل واحد منا يحمل جرحًا…
واسمًا يصعب عليه أن يصلي من أجله.
لكن ربما تبدأ الحرية الحقيقية عندما نجرؤ، ولو بصوت مرتجف، أن نردد مع المسيح:
«يا أبتاه… اغفر لهم.»
فالغفران لا يغيّر ما حدث أمس…
لكنه يغيّر الإنسان الذي سيعيش الغد.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
عرض
منبر العراق الحر منبر العراق الحر