نُثار الرصيف… رياض سعد

منبر العراق الحر :

لم يكن الحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي مجرد أزمة في الغذاء والدواء، بل كان امتحاناً قاسياً لكرامة الإنسان العراقي. كانت الرواتب تتبخر قبل أن تصل إلى الجيوب، وأصبحت الشهادات الجامعية عاجزة عن شراء كيس رز أو علبة حليب للأطفال. وفي تلك السنوات، لم يكن الفقر يختار ضحاياه؛ فقد طرق أبواب الجميع، حتى أولئك الذين كانت الجامعات تفتح لهم أبوابها احتراماً لعلمهم.

في صباح شتوي بارد، كنت أعبر شارع الرشيد متجهاً إلى الجامعة. كان الرصيف مزدحماً ببسطات صغيرة تبيع كل شيء؛ كتباً مستعملة، أقلاماً، علب كبريت، وسجائر مفردة. توقفت فجأة، فقد استوقفني وجه أعرفه جيداً.

كان يجلس على صندوق خشبي صغير، وأمامه قطعة قماش باهتة رُتبت عليها علب السجائر المحلية والمستوردة الرديئة. رفع رأسه ببطء، فالتقت عينانا.

لم أصدق.

إنه الدكتور **عبد الجبار**.

أستاذ الفلسفة الذي كان قبل سنوات يقف على منصة المحاضرات في كلية الآداب، يشرح لنا أفلاطون وأرسطو وديكارت وكانط، ويحدثنا عن الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. الرجل الذي كان يدخل القاعة بهدوئه المعتاد، فتعمها هيبة العلم، لا هيبة المنصب.

أما اليوم، فقد كان يبيع السجائر المفردة على الرصيف.

اقتربت منه متردداً.

قلت بصوت خافت:

“دكتور… حضرتك؟”

ابتسم ابتسامة متعبة، وقال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال منذ زمن:

“أهلاً ولدي… تفضل.”

لم أجد ما أقوله.

كان معطفي القديم أفخم من بدلته التي بهت لونها من كثرة الاستعمال، وكانت يداه، اللتان اعتادتا الإمساك بالكتب، ترتجفان وهما تعدان ثمن علبة سجائر لا يتجاوز بضعة دنانير.

قلت وأنا أكاد أختنق:

“دكتور… ماذا تفعل هنا؟”

ابتسم مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت ابتسامة رجل هزمته الحياة، لا رجل هزمته المعرفة.

قال بهدوء:

“أبيع السجائر.”

سكت قليلاً، ثم أضاف:

“راتب الأستاذ الجامعي لم يعد يكفي أسبوعاً واحداً. وعندي أربعة أطفال لا يفهمون معنى الحصار، ولا يستطيعون أن يأكلوا النظريات الفلسفية.”

ساد الصمت بيننا.

كنت أشعر أن كل المحاضرات التي حضرناها عنده أصبحت أصغر من هذه اللحظة.

بعد دقائق جمعت شجاعتي وقلت:

“دكتور… معظم أساتذة الجامعة سافروا. لماذا لم تغادر أنت أيضاً؟”

نظر إلى آخر الشارع، كأنه يرى العراق كله واقفاً هناك.

ثم قال بصوت خافت:

“ومَن يربّي أولادي إن تركتهم؟”

سكت لحظة.

“وهل أترك أمي العجوز وحدها؟”

ثم ابتسم ابتسامة حزينة.

“ثم إلى أين أذهب؟”

أجاب نفسه قبل أن أجيب.

“قد أعيش خارج العراق… لكنني لن أعيش بعيداً عنه.”

أطرق برأسه قليلاً، ثم قال:

“يا بني… الوطن ليس فندقاً نغادره عندما تسوء الخدمة.”

كانت كلماته أثقل من المدينة كلها.

قلت:

“ولكنك تستحق حياة أفضل.”

ابتسم وقال:

“ربما… لكن العراق أيضاً يستحق أبناء لا يتركونه في الشدائد.”

مرت سنوات طويلة.

انتهى الحصار، وسقط النظام البعثي ، ودخل العراق مرحلة جديدة بعد عام 2003.

تبدلت الحكومات، وتغيرت الشعارات، وامتلأت الشاشات بالسياسيين، وارتفعت أرقام الموازنات إلى مستويات لم يكن العراقيون يحلمون بها، لكنني كنت كلما رأيت أستاذاً جامعياً يقف في طابور المعاملات، أو باحثاً يهاجر بحثاً عن مختبر يحترم علمه، أو طبيباً يبيع سيارته ليؤمن مستقبل أطفاله، أتذكر الدكتور عبد الجبار.

كان الفرق الوحيد أن الرصيف تغير.

أما المأساة، فما زالت هي نفسها.

لقد انتهى الحصار الاقتصادي، لكن حصار العقول لم ينته.

في التسعينيات كان الأستاذ يبيع السجائر ليطعم أبناءه.

أما اليوم، فكثير من أصحاب الكفاءة يبيعون سنوات عمرهم في المطارات، ويغادرون لأن أوطاناً أخرى عرفت قيمة ما تجاهله وطنهم.

في إحدى المناسبات العلمية، بعد أكثر من عشرين عاماً، سألت عنه أحد زملائه.

قال وهو يبتسم بأسى:

“توفي الدكتور قبل سنوات.”

ثم أضاف:

 

“تدري ما الذي كان يؤلمه أكثر من الفقر يا ياسر ؟”

قلت:

“ما هو؟”

قال:

“كان يقول دائماً: كنت أتخيل أن طلابي سيذكرونني بسبب كتبي… لا بسبب بسطة السجائر.”

خرجت من القاعة وأنا أشعر أن العراق لم يخسر أستاذاً جامعياً واحداً.

لقد خسر جيلاً كاملاً من العلماء الذين اضطروا إلى مقايضة أقلامهم بأرصفة المدن، وكرامتهم بلقمة العيش.

وعندها أدركت أن الدول لا تُقاس بعدد جامعاتها، ولا بعدد شهاداتها العليا، بل بالطريقة التي تعامل بها معلمها وباحثها وأستاذها الجامعي.

فحين يُجبر الأستاذ على أن يبيع السجائر على الرصيف ليعيش، لا يكون الفقر قد أسقط رجلاً واحداً فقط، بل يكون قد أسقط هيبة العلم نفسها.

اترك رد