منبر العراق الحر :
أخيرًا، دخلت المنطقة العربية عصر “العولمة الجنائزية” من أوسع أبوابه. ففي حدث فريد من نوعه لم تشهده البشرية منذ اختراع بروتوكولات العزاء، تقرر أن يُشيّع الأمير النافق في عشر دول كاملة بالإضافة إلى إمارته الصغيرة. يبدو أن الرجل الذي عاش متنقلاً بين العواصم لتوزيع أدوار “الدمار الخلّاق”، لم تكفه بقعة جغرافية واحدة لتراب قبرها، فاختار أن يترك خلفه “جنازة طيارة” عابرة للحدود.
ويتوقع الخبراء الرقميون في بورصة المآسي حضور ما يقارب 100 مليون مشيّع. نعم، الرقم صحيح وليس فيه أي مبالغة؛ فالقائمة تطول لتشمل ملايين العوائل المكلومة من ضحايا الحروب التي أدارها بعبقريته الفذة في العراق، لبنان، اليمن، سوريا، أفغانستان، إيران، وغزة. هؤلاء جميعًا لن يأتوا للبكاء، بل ليطمئنوا بأم أعينهم أن من موّل قصف بيوتهم قد وُورِيَ الثرى أخيرًا، وليلقوا نظرة الوداع الأخيرة على من حوّل أوطانهم إلى ساحات تجارب لأسلحة الآخرين.
الوكيل الحصري لـ “العم سام”
لقد كان الأمير الراحل نموذجًا يُحتذى به في “الوفاء التابع”. لم يبخل يومًا على الولايات المتحدة الأمريكية بالمال الوفير والخدمات اللوجستية، محولاً بلاده إلى قاعدة عسكرية عملاقة تنطلق منها طائرات “الديمقراطية” لتنثر ورودها المتفجرة فوق رؤوس الشعوب. ولم يقتصر دوره على التمويل والإسناد، بل ترقى ليصبح “المفاوض الرسمي بلغة الضاد” نيابة عن البيت الأبيض. كان يرتدي عباءة الوسيط النزيه، بينما يخفي تحتها شروط الإذعان لتركيع الدول وإجبارها على الرضوخ للسياسة الأمريكية. وكان يملك موهبة استثنائية في:
* صناعة وتأهيل عملاء جاهزين لإدارة البلدان المنكوبة.
* تخليق “مقاومين أُجراء” يُحركون بالريموت كنترول حسب الحاجة والموسم السياسي.
* تعطيل اقتصادات الدول الشقيقة من خلال الحصار والتدمير الممنهج، حتى تظل دول الخليج وحدها واحات الازدهار والنهوض على أنقاض العواصم التاريخية.
“هذا جانب بسيط من اهتمام الأمير النافق بالأمة العربية.. حرص على أن يساويهم جميعًا في الفقر والدمار، لكي لا تحسد دولة أخرى!”
عدالة السماء: انقلب السحر على الساحر
لكن التاريخ، كما يُقال، ذو دم ثقيل ولا ينسى رد الديون. فبينما كان الأمير غارقًا في جولاته السياسية الخارجية، يخطط لمستقبل شعوب أخرى، جاءته الطعنة من أقرب الناس إليه. انقَلب عليه ولدُه البار، وبمباركة وإشراف مباشر من نفس الحليفين الاستراتيجيين: أمريكا وبريطانيا.
لقد شرب الأمير من نفس الكأس التي سقى منها جيرانه. عقوق الوالدين لم يكن مجرد خطيئة عائلية، بل كان الدرس الأول في كتاب “السياسة والمصالح” الذي ألفه الأمير بنفسه وتلمذ عليه ابنه. تنحى الأب قسرًا، واكتشف متأخرًا أن من يبيع الأوطان، يُباع بأرخص الأثمان وفي جولة سفر عادية.
بقي شيء…
الآن، وبينما تستعد العواصم العشر لاستقبال موكب التشييع الأسطوري، يقف ملايين الضحايا على أرصفة التاريخ. لم ينسَ أطفال العراق ولا ثكالى سوريا واليمن وغزة ما فعلته الأموال المغسولة بالدموع. الجنازة المليونية لن تكون لتكريم الإنجازات، بل ستكون أشبه بمحاكمة علنية يطالب فيها الضحايا بدينهم المؤجل. فعقاقير الخيانة لها مفعول رجعي، وديون الشعوب لابد أن تُرد، ولو بعد حين.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر