«معادلة لوسيرن»…”الهدنة تحت النار” تثبيت توازنات القوة بالحديد والنار وضبط سلوك «الجمهورية الأمنية الثانية» …الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي ….

التقرير الاستراتيجي رقم 27)) : «الهدنة تحت النار»

13 تموز/ يوليو 2026

⏺️ مقدمة التقرير: المفهوم الجديد للتهدئة القسرية

لا يعكس المشهد الراهن في إيران والمنطقة انهياراً لـ «معادلة لوسيرن» (المستندة إلى بند تفاهمات إسلام آباد الـ 14)، بل يمثل انتقالاً نوعياً في طبيعة الهدنة نفسها. إن الغارات الـ 80 العنيفة التي نفذتها القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) ضد البنية التحتية للحرس الثوري، تزامناً مع استمرار القنوات الدبلوماسية، تؤكد أن المنطقة لم تعد تعيش «هدنة وقف نار» تقليدية، بل دخلت في حقبة «الهدنة تحت النار»؛ حيث يُستخدم الحسم العسكري المباشر كأداة وحيدة لتثبيت توازنات القوة وإجبار طهران على عدم تخطي الخطوط الحمراء.

«لم تسقط «معادلة لوسيرن»، بل تحولت من هدنة لوقف النار إلى نظام ردع دائم تُدار فيه الدبلوماسية تحت ظلال الحديد والنار.»

1️⃣ المفاوض الجديد تحت القصف «الجمهورية الأمنية الثانية»

تتحرك «الهدنة تحت النار» في ظل غياب كاريزما الرعيل الأول وعلي خامنئي، لتتعامل القوى الدولية مع سلطة أمر واقع جديدة في طهران:

◾️حكم الصف الثاني والثالث: تسلم ضباط تكنوقراط عسكريون في الحرس الثوري مفاصل القرار بعد تكييف ضوابط تنصيب القيادة العليا لتتجاوز التراتبية الحوزوية التقليدية.

◾️براغماتية التفاوض العسكري: تجلى هذا في وفد لوسيرن بسويسرا بقيادة رئيس البرلمان والقائد العسكري السابق محمد باقر قاليباف. هذا النظام الجديد لا يفهم لغة الدبلوماسية الناعمة، لذا جاءت استراتيجية ترامب لتخاطبه باللغة الوحيدة التي يفهمها: إدارة التفاوض والهدنة من خلال الضغط العسكري المستمر فوق رأسه.

2️⃣ تفكيك المأزق

   (بين العقدة والفخ تحت مظلة الهدنة)

تشتغل «الهدنة تحت النار» كآلية لتفكيك عناصر القوة التي يتبناها الحرس الثوري وفق المنظور الآتي :

1. عقدة المضيق (طوق النجاة الوهمي)

مع تراجع الأذرع الإقليمية وانكفاء الملف النووي والصاروخي إلى الخلف، تحوّل مضيق هرمز تدريجيًا من ورقة ضغط جيوسياسية إلى «عقدة استراتيجية» وطوق نجاة أخير لإنقاذ النظام الإيراني من العزلة والضغط العسكري. غير أن هذه العقدة كشفت في الوقت نفسه عن نقطة ضعف بنيوية؛ فهرمز، بخلاف البرنامج النووي أو المنظومة الصاروخية، ممر مائي دولي تحكمه القوانين والأعراف العالمية، الأمر الذي جعل محاولة احتكاره أو توظيفه أداةً للابتزاز تصطدم مباشرة بالإرادة الدولية.

2. فخ ترامب (الاستدراج القاتل)

ما اعتبره الحرس الثوري «عقدة نجاة» سعت واشنطن إلى تحويله إلى «فخ استراتيجي» يعيد رسم حدود القوة الإيرانية. فحين لوّحت طهران بإغلاق المضيق وفرض معادلتها الخاصة، جاء الرد الأميركي بحصار مضاد جعل من هرمز ساحة استنزاف مفتوحة؛ إذ لم يعد التمسك بالمضيق ضمانةً لبقاء النظام، بل مدخلًا لتبرير الضربات المتواصلة وتجريد الحرس الثوري تدريجيًا من أدوات الردع والمناورة.

3️⃣ الانعكاسات على القوى الإقليمية

    (المظلة الأمنية البديلة)

ترى مراكز الدراسات المستقبلية أن استنساخ نموذج «الهدنة تحت النار» من لبنان وتطبيقه في الخليج ومضيق هرمز يترك تأثيرات عميقة على عواصم الجوار.

◾️انعدام اليقين الأمني وجدلية “الحياد”: تعيش دول الجوار الخليجي حالة قلق دائم؛ فالصواريخ والمسيرات الإيرانية المتطايرة في الأعالي تعني أن خطوط الملاحة تحت رحمة “خطأ تقديري واحد”. هذا الوضع الهش جعل العواصم الإقليمية، رغم ترحيبها بالدبلوماسية، تدرك أن تحييد نفسها لم يعد كافياً لحماية موانئها واقتصادها.

◾️تسريع عسكرة الممرات البحرية: الهدنة الهشة دفعت دول المنطقة إلى مباركة التحالفات البحرية الدولية سراً وعلناً، والاعتماد على شبكات دفاع جوي وصاروخي متكاملة تتجاوز المفهوم التقليدي للسيادة، حيث أصبح بقاء خطوط الإمداد مفتوحة مرتبطاً بمدى كفاءة الردع العسكري الأمريكي الساحق للاستفزازات الإيرانية.

4️⃣ التداعيات العالمية (تسعير المخاطر الجيوسياسية)

خلف كواليس الاقتصاد والسياسة الدولية، تخلق «الهدنة تحت النار» في مضيق هرمز واقعاً عالمياً جديداً يتسم بالآتي:

◾️تأسيس “علاوة المخاطر الدائمة” (Risk Premium): لم تعد أسواق الطاقة والتأمين البحري العالمي تتعامل مع مضيق هرمز كممر آمن يُغلق ويُفتح بقرار، بل كممر مضطرب تُمثّل فيه الهدنة مجرد “استراحة محارب”. هذا الأمر رفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل دائم، مما يدفع القوى الصناعية الكبرى (خاصة في آسيا وأوروبا) إلى البحث الجاد والمكثف عن مسارات بديلة للطاقة تفادياً لابتزاز الحرس الثوري.

◾️إعادة صياغة شروط التفاوض الدولي: التداعيات العالمية تشير إلى أن تفاهمات لوسيرن وضعت سابقة جديدة في العلاقات الدولية؛ حيث تخلت واشنطن عن فكرة “الاتفاقيات الشاملة المكتوبة” واستبدلتها بـ “تفاهمات السلوك الإجرائي المستند إلى القوة”. العالم اليوم يراقب كيف تنجح هذه الصيغة في شل قدرة الصين وروسيا على استخدام إيران كورقة مناورة، بعد أن تحولت طهران إلى طرف يحارب دولياً من أجل الحفاظ على بنية نظامه الداخلي فقط.

5️⃣ الشيطنة الاستراتيجية وإعادة إنتاج الشرعية الدولية

1. شيطنة النظام الإيراني (التهديد المعولم)

رغم الجدل الذي رافق الضربات الأولى على إيران، نجحت واشنطن تدريجياً في نقل مركز الثقل السياسي والإعلامي من سؤال «من بدأ الحرب؟» إلى سؤال آخر أكثر تأثيراً: «من يهدد أمن الطاقة والملاحة العالمية؟». فتهديد مضيق هرمز، واستهداف السفن التجارية، والاعتداءات على الجوار الخليجي والأردن، حوّلت الحرس الثوري من طرف إقليمي متنازع عليه إلى تهديد مباشر للنظام البحري الدولي وحرية التجارة العالمية.

2. فخ الشرعية الدولية (حارس الممرات)

أسهمت تهديدات اغتيال القادة الأميركيين، وفي مقدمتهم الرئيس دونالد ترامب، إلى جانب سياسة «إرهاب المضائق»، في إعادة صياغة المشهد الدولي؛ إذ لم تعد الولايات المتحدة تُقدَّم، في السردية الغربية الجديدة، بوصفها الطرف الذي استخدم القوة أولاً، بل باعتبارها الضامن لحرية الملاحة وحامي الممرات الدولية. وهكذا، تحولت «الهدنة تحت النار» إلى أداة سياسية مكّنت واشنطن من بناء شرعية دولية جديدة تستند إلى حماية التجارة والطاقة العالميتين أكثر مما تستند إلى منطق الحرب التقليدية.

6️⃣ مستقبل «معادلة لوسيرن»

   كإطار لـ «الهدنة تحت النار»

وفق هذه المقاربة، فإن «معادلة لوسيرن» لا تموت، بل تتحول إلى الموجّه الهيكلي للصراع الدائر، وتتجه نحو ثلاثة مسارات تضبطها معادلة “الحديد والنار”:

◾️المسار الأول: الاستمرار كـ “قواعد اشتباك مقننة”  (الواقع الحالي)

أن تستمر «الهدنة تحت النار» كأمر واقع؛ بحيث تواصل واشنطن تقليم أظافر الحرس الثوري واستهداف منشآته الساحلية والبحرية كلما حاول التمرد، مع إبقاء طاولة لوسيرن قائمة لشرعنة هذه الضربات دولياً وإجبار طهران على تقديم تنازلات تدريجية صامتة.

◾️المسار الثاني: الامتثال الإيراني القسري

أن تؤدي وطأة “النار” المستمرة وفشل قادة الصف الثاني والثالث في تحمل الكلفة الاقتصادية والعسكرية للحصار، إلى الرضوخ الكامل لشروط لوسيرن. هنا يتحول الاتفاق من «الهدنة تحت النار» إلى “اتفاق إذعان”، حيث تُجبر طهران على فتح المضيق بشكل دائم والتخلي عن أذرعها الإقليمية لضمان الحفاظ على رأس النظام.

◾️المسار الثالث: الانفجار الكبير وكسر المسطرة

إذا قرر قادة الحرس الهروب إلى الأمام وكسر «مسطرة لوسيرن» عبر تفعيل معادلتهم غير الخطية لتعطيل خطوط الطاقة العالمية بالكامل لرفع الأسعار، فإن «الهدنة تحت النار» ستنتهي لتتحول إلى حرب تدميرية شاملة تستهدف استئصال البنية التحتية للنظام الإيراني بالكامل.

⏺️ خاتمة استشرافية: صياغة النظام الإقليمي الجديد

إن «معادلة لوسيرن» لم تسقط، بل أُعيد إنتاجها في ورشة “الحديد والنار”. العالم اليوم يمارس أرقى درجات “الردع المرن والعنيف في آن واحد”؛ حيث تُركت نافذة الدبلوماسية مفتوحة في سويسرا، بينما تنهمر القذائف على بندر عباس والسواحل الإيرانية لضبط سلوك «الجمهورية الأمنية الثانية».

تُجمع مراكز الدراسات على أن هذه الهدنة الهشة، برغم خطورتها وتطاير مسيراتها، هي الأداة التي تقود المنطقة نحو “نظام إقليمي جديد منزوع الأوهام الأيديولوجية”. لقد استوعب قادة الصف الثاني والثالث في الحرس الثوري الدرس القاسي: الهدنة في العرف الدولي الجديد لم تعد تعني الأمان أو منح المساحات للمناورة، بل تعني “أن البقاء السياسي ومواصلة الحكم مشروطان تماماً بمدى الانصياع لقوة الحديد والنار الفوقية”.

اترك رد