منبر العراق الحر :
لم يكن أبي يخافُ الطريق
كان يخافُ أن يخرجَ من الباب ولا يجدَ البيتَ كما تركه.
لذلك، كلَّ صباحٍ قبل أن يذهب
كان ينظرُ طويلا إلى الجدران
كأنَّهُ يحفظُ ملامحها للمرّةِ الأخيرة.
***
أمّي لا تبكي
وهذا أكثرُ ما يُتعبني
فالنساءُ اللواتي حملنَ كثيرا يتعلّمنَ كيف يخبّئنَ البحرَ في عيونِهن
تضعُ الخبزَ على المائدة، تعدُّ الأطباقَ
ثم تتوقفُ عندَ الطبقِ الزائد
ولا تقولُ شيئا.
فبعضُ الغيابِ أكبرُ من أن يُسمّى.
***
في الحارةِ طفلٌ صغير يعرفُ أصواتَ الطائرات قبل أن يعرفَ أصواتَ العصافير.
يعرفُ أسماءَ الحواجز
ومواعيدَ الخوف
وطولَ الطريقِ الذي لا يُسمحُ لهُ أن يمشيه…
لكنهُ لا يعرفُ لماذا لا يستطيعُ أن يركضَ خلفَ فراشةٍ دون أن تسألهُ الدنيا:
إلى أين؟
***
نحنُ لا نكرهُ الحياة
لا تصدّقوا من يقولُ ذلك
نحنُ الذينَ نعرفُ قيمةَ الصباح
نحبُّ رائحةَ القهوةِ حين تصعدُ من المطبخ، وصوتَ الأبوابِ حين يعودُ أهلُها، وضحكةَ طفلٍ تسقطُ من فمهِ بلا خوف.
نحنُ فقط…
تعلّمنا أن نحرسَ الأشياءَ الصغيرة
لأنَّ هناكَ من يريدُ أن يجعلَها مستحيلة.
***
أمّي تحتفظُ بمفتاحِ البيت
ليسَ لأنَّ البابَ قريب
ولا لأنَّها لا تعرفُ أنَّ الطريقَ طويل
إنَّها تحتفظُ بهِ لأنَّ بعضَ الأشياءِ
لا تُفتحُ بالمفاتيح…
بل بالوفاء.
***
قالوا لنا: انسوا
وكأنَّ الذاكرةَ نافذةٌ نغلقُها متى نشاء
لكنَّ الذاكرةَ ليستْ نافذة
الذاكرةُ بيتٌ آخر
إذا خرجنا منهُ ضاعَ الطريقُ إلينا.
***
يا أرضي…
لم نحملكِ لأننا أقوياء
حملناكِ لأنَّكِ الشيءُ الوحيدُ الذي بقيَ حين سقطتْ أشياءُ كثيرة
أخذوا منّا أبوابا، وأياما، وأسماءً كثيرة…
لكنَّهم لم يعرفوا أنَّ الإنسانَ قد يملكُ وطنا كاملا في ندبةٍ صغيرةٍ من قلبه.
***
لا تورّثوا أبناءكم الخوف
فالخوفُ بيتٌ بلا نوافذ
والذي يعيشُ فيه طويلا
ينسى شكلَ السماء.
علّموهم أنَّ الشجرةَ حين تضربُ جذورها في الأرض لا تعاندُ الريح
بل تقولُ لها: أنا هنا.
***
وسيأتي يومٌ
لا تسألُ فيهِ الأمُّ: متى يعودون؟
بل تسأل: ماذا سنفعلُ بكلِّ هذا الفرح؟
وسيعودُ الأطفالُ إلى الشوارعِ التي حفظتْ أسماءهم
لا ليبحثوا عن آثارِ الغياب
بل ليتركوا آثارَهم.
عندها فقط…
سنفهمُ أنَّنا لم نكن نحرسُ حجارةً
كنا نحرسُ معنى الإنسان.
***
ثوروا…
ليس لأنَّنا نحبُّ الغضب
بل لأنَّنا نحبُّ الحياةَ إلى درجةِ أنَّنا لا نقبلُ أن تُسرق
ثوروا…
لأنَّ الطفلَ يجبُ أن يعرفَ شكلَ العصفور قبلَ شكلِ الخوف
و”ثوروا…
فلن تخسروا سوى القيدِ والخيمة”
أما البيتُ الذي يسكنُ الذاكرة
والصوتُ الذي يسكنُ القلب
والأرضُ التي تحفظُ خطانا
فلا يستطيعُ أحدٌ أن ينتزعها.
_____________________
ماجده الريماوي
فلسطين🇵🇸
٢٧_٧_٢٠٢٦
منبر العراق الحر منبر العراق الحر