منبر العراق الحر :
أقرأ كثيرا من التحليلات التي تنتشر على الفيسبوك ومنصات التواصل الاجتماعي فضلا عن تحليلات الرأي في البرامج الحوارية التي تتعلق بالصراع الأميركي الإيراني، فأجد أن بعضها يعيد إنتاج سرديات تشبه أدبيات بعض مراكز التفكير الغربية، ومنها (منتدى الشرق الأوسط) ، فتقرأ الأحداث من زاوية المصالح الأميركية وأمن إسرائيل وتقدم إيران بنظرة أحادية باعتبارها الطرف الذي يهدد استقرار المنطقة.
واعتقد جازما أن التحليل الجاد والموضوعي والمنصف لا يمكن أن يبدأ من رواية طرف واحد او بتأثير من من وسائل الاعلام العالمية المهيمنة. فإيران ليست مجرد دولة توسعية حسب السردية الغربية، كما أنها ليست مجرد ضحية للمؤامرة الأميركية والاسرائيلية. إنها دولة لديها مشروع إقليمي واضح وتبني قوتها على الصواريخ والبرنامج النووي وشبكة من الفصائل المسلحة وترى في ذلك أدوات للردع وحماية نظامها. وهذا النفوذ نفسه يثير مخاوف حقيقية لدى إسرائيل ودول الخليج والولايات المتحدة.
أما أمريكا فهي لا تتحرك بدافع واحد. وغايتها تريد منع إيران من امتلاك سلاح نووي وحماية حلفائها والحفاظ على أمن الملاحة والطاقة، لكنها تعرف أيضا أن الحرب شيء، والسيطرة على نتائجها شيء آخر. إذ تستطيع واشنطن تدمير منشآت وقدرات عسكرية، لكنها لا تستطيع ضمان ما سيحدث في اليوم التالي.
وهنا تكمن المفارقة
فأمريكا تملك التفوق العسكري الهائل لكن إيران تملك القدرة على جعل الحرب مكلفة ومعقدة. فالصراع لا يجري بين دولتين فقط بل يمتد عبر العراق ولبنان واليمن حيث تتداخل مصالح الدول مع حسابات الجماعات المسلحة المحلية ولا تتحرك جميع الأطراف بالضرورة وفق إرادة طهران أو واشنطن وحدهما.
في العراق مثلا لا يمكن فهم المشهد باعتباره مجرد صراع أميركي إيراني، فالعراق نفسه لديه مصالحه وأمنه وسيادته لكنه وجد نفسه مرارا ساحة للتجاذب بين الطرفين، وكان ولا زال يدفع ضريبة هذا التجاذب بين الولايات المتحدة وايران.
وفي اليمن ولبنان تتداخل الحسابات المحلية مع الصراع الإقليمي بينما تحاول إيران استخدام شبكة حلفائها لرفع كلفة الضغط عليها، وتحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها الحد من هذا النفوذ.
لذلك فإن السؤال ليس من الأقوى عسكريا فالجواب واضح وإنما السؤال الحقيقي هو من يستطيع تحقيق أهدافه السياسية بأقل تكلفة؟
أمريكا تستطيع توجيه ضربات أقوى لكن إيران تستطيع بدرجات مختلفة أن تجعل نتائج المواجهة غير قابلة للتنبؤ. ومن هنا يأتي مفهوم الردع الذي خلاصته ان واشنطن تقول (أستطيع أن أضربك)، وطهران تقول (لكنني أستطيع أن أجعل ثمن ضربك لي مرتفعا). لهذا أعتقد أن القراءة التي تنطلق من المنظور الغربي وحده، كما أن القراءة التي تتبنى الرواية الإيرانية وحدها لا تكفي لفهم المشهد.
نحن بحاجة إلى قراءة الطرفين معا، ماذا تريد واشنطن؟ ماذا تخشى؟ وماذا تريد طهران؟ وما هي حساباتها؟ ومالذي تخشى منه؟
فالتحليل الحقيقي لا يبحث عن طرف أكثر أخلاقية وانسانية من طرف آخر، بل يحاول فهم المصالح والقوة والخوف والردع وحسابات البقاء والهيمنة.
إن الشرق الأوسط أكثر تعقيدا من أن يقرأ بعين واحدة ومن يريد فهم الصراع الأميركي الإيراني عليه أن ينظر إلى الميدان بعيني الطرفين، لأن الحقيقة غالبا لا توجد في الرواية التي نحبها وتدغدغ عاطفتنا المذهبية بل في المسافة بين الروايات.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر