سور الصين العظيم… في لحظة خروج عن إيقاع العالم

منبر العراق الحر :

في الطريق إلى سور الصين العظيم سمعت الكثير. السلالم، الضغط الجوي، تحديات الإنترنت. سمعت وتريثت كثيراً. هل أتمكن من الصعود إلى القمة؟ لا؟ ربما؟ سُمعة المكان جديرة بالمحاولة. هيبة المكان تغذّي روح المغامرة… ولو لمرة واحدة!

أنا الآن في الحافلة، برفقة زملاء صحافيين ورواد أعمال من مختلف الدول العربية؛ زملاء قرّبتهم التجارب في الصين حدّ صداقة غنية بالثقافة والخبرات. بعضهم زار السور قبلاً، إنما تجربتي الآن أكاد أعيشها منفرداً. تجربة فيها الكثير من المشاعر غير المفهومة حتى اللحظة.

المشاهد مثيرة. طبيعة خضراء رائعة ومرتفعات شاهقة. جبال تشبه في شيء منها جبال لبنان. ما المختلف؟ لا جواب عندي… قد يكون مجرد شعور.

توقفت الحافلة. السور بدا رابطاً القمم الشاهقة بعضها ببعض. أعداد كبيرة من السياح تتواجد هنا الآن. الكل ينظر إلى الأعلى. القمم القريبة لا تظهر واضحة، وحدها السلالم، والدرج غير المتساوي بمقاساته. سلالم رمادية وعبارات لتوخّي الحذر.

(النهار)

تجربة سور الصين تتجاوز بعيوني فكرة السياحة. ربما لكثرة ما سمعت عن السور وقرأت، طغت الرهبة على مشاهداتي. سور عظيم عمره آلاف السنين، يمتد لمسافة 21 ألف كلم. ليس سوراً واحداً بُني في زمن واحد. هو منظومة دفاعية ضخمة شُيدت ووسّعت على مدى قرون. كل هذا يضفي المزيد من الإثارة. جدران، أبراج إشارة، قلاع وممرات. استثنائية المكان قادت لأدراجه على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو .

…درجة تلو أخرى. كلما ارتفعت أكثر، بدا المشهد كأنه يبتعد عن صخب العالم ويقترب من شيء أكثر هدوءاً وعمقاً. هناك، في الأعلى، لم يكن عدد الأشخاص كبيراً. لا أحد من زملائي هنا. وصلت وحيداً وقلقت وحيداً. ماذا لو تأثرت بالضغط الجوي. بعض من التقيتهم في الطريق صعوداً بدوا منهكين. أكملت ويقودني الشغف بلا رادع… بمجازفة إنما بوعي وحب للاستكشاف.

(النهار)

عند قمة السور

في الأعلى، التقيت مغامرين قلة. مُستكشف من فيتنام، رياضية روسية، وشاب يبدو رياضياً أيضاً من جنسية آسيوية. لا يمكن التسلق أكثر؛ بوابة حديدية مقفلة تشي بنهاية المسار صعوداً. يمكن تغيير الوجهة فقط نزولاً فصعوداً إلى تلة أخرى. الوقت ليس لصالحي. عليّ العودة إلى الحافلة. شبكة الاتصالات انقطعت تماماً… ولا حتى إشارة تمكنني من التواصل مع أحد.

في القمة، لم نكن بحاجة إلى كثير من الكلام. كان يكفي أن ننظر إلى المشهد نفسه: سور طويل يشق الجبال، وقمم تمتد أمام العين، وطبيعة تسقط عن الإنسان وهمَ مركزية ذاته، وتضعه أمام اتساعٍ يفوقه. هنا، أدركت أن بعض الرحلات لا تقاس بالمسافة التي نقطعها، بل بتلك التي نبتعد فيها عن أنفسنا القديمة.

كلما صعدت، كان العالم في الأسفل يصغر. الطرق، الجسور، وحتى ضجيج الهاتف… كل شيء بدأ يفقد حضوره. عندما انقطع الإنترنت عن هاتفي، لم أشعر أنني فقدت شيئاً، بل شعرت للمرة الأولى منذ وقت طويل أنني استعدت شيئاً.

(النهار)

ربما لهذا السبب بقيت تلك اللحظة في داخلي؛ فالسور الذي بُني ليحمي الإمبراطوريات لم يكن بالنسبة إليّ مجرد أثر تاريخي. كان درساً في الزمن: ما يبنيه الإنسان اليوم قد يصبح غداً شاهداً عليه، وما نظنّه مهماً جداً ونحن في الأسفل قد يبدو صغيراً جداً عندما نصل إلى الأعلى.

فهمت شيئاً آخر: نحن نقضي جزءاً كبيراً من حياتنا نحاول أن نكون متصلين بكلّ شيء: رسائل، أخبار، عمل، أشخاص. لكننا قد نحتاج أحياناً إلى أن ينقطع كلّ شيء، حتى نسمع أنفسنا.

وصلت إلى قمة إحدى التلال المهيبة، وأهديت نفسي ميدالية ذهبية، محفور عليها رسم سور الصين وبورتريه مؤسس جمهورية الصين الشعبية. ابتعت الميدالية مع وصولنا إلى باحات السور، واشترطت على نفسي: إن نجحت بالتسلّق احتفظت بالميدالية، وإن فشلت تركتها. هي الآن معي للذكرى. المحاولة تستحق… المغامرة تفتح آفاقاً مختلفة، فأعظم تحدّيات الإنسان تبقى مع نفسه أولاً.

 

 

المصدر: “النهار”

اترك رد