841,577,0,0.5757894736842105,-1

التجلي الدلالي للمعنى في التحليل التفاعلي للنص الأدبي… عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :ليس المعنى في النص الأدبي حقيقة مكتملة تنتظر القارئ ليكشفها، كما أنه ليس معنى يصنعه القارئ من خارج النص وفق رغباته وتأويلاته. فالنص يتيح إمكانات دلالية، والوعي يتفاعل معها، ومن هذا التفاعل يتجلى المعنى ويتضح تدريجيًا.
ومن هنا يأتي مفهوم التجلي الدلالي للمعنى في التحليل التفاعلي للنص الأدبي بوصفه حركة تكشف، عبر تفاعل الوعي مع النص، عن الإمكانات الدلالية التي يتيحها النص. فالتجلي لا يعني استخراج معنى جاهز، ولا اختراع معنى من خارج النص، وإنما هو انكشاف تدريجي لما يمكن أن يتشكل من دلالات في المسافة التفاعلية بين النص والوعي.
فالنص الأدبي لا يستنفد دلالته في القول المباشر، ولا يغلق إمكاناته على قراءة واحدة؛ إذ تترك لغته وصوره وعلاقاته وإيحاءاته مساحات يتحرك فيها الوعي. ومن هنا لا تكون القراءة مجرد بحث عن إجابة لسؤال: «ماذا يعني النص؟»، وإنما تتجه إلى سؤال أعمق: كيف يتجلى المعنى في التفاعل مع النص؟
فالقارئ لا يدخل النص خاليًا من التجربة والمعرفة والذاكرة، والنص في الوقت نفسه لا يمنحه معنى جاهزًا. وعندما يلتقي الوعي بالنص يبدأ التفاعل؛ تستوقفه كلمة أو صورة أو علاقة أو مفارقة أو أثر شعوري، فيتتبع ما تفتحه من إمكانات دلالية. وكلما اتسعت دائرة الوعي ازدادت إمكانات تجلي المعنى، من غير أن يعني ذلك صحة كل ما ينتجه الوعي؛ إذ تظل القراءة مرتبطة بما يتيحه النص من قرائن وعلاقات وسياقات.
والتجلي الدلالي ليس مرحلة نهائية تأتي بعد التحليل، بل هو حركة دلالية مستمرة تصاحب التفاعل مع النص، وتكشف تدريجيًا عن الإمكانات التي يتيحها. فقد تقود دلالة إلى أخرى، أو تكشف علاقة بين عنصرين لم تكن ظاهرة في البداية، أو تجعل صورة واحدة تعيد تشكيل فهم مقطع كامل. وهكذا يمكن أن يتغير أفق القراءة كلما اتسع التفاعل، من غير أن يعني ذلك أن النص نفسه قد تغير.
والوعي هنا ليس متلقيًا سلبيًا، ولا صانعًا مطلقًا للمعنى، وإنما هو طرف فاعل في التفاعل؛ يستقبل النص، ويتتبع إمكاناته، ويربط عناصره، ويقارن بينها، ويختبر دلالاتها، ثم يعيد النظر فيما توصل إليه كلما ظهرت قرائن أو علاقات جديدة. لذلك فإن اختلاف القراءات لا يعني بالضرورة اختلاف النصوص، بل قد يعكس اختلاف مستويات الوعي وطرائق التفاعل مع الإمكانات التي يتيحها النص.
غير أن تعدد الإمكانات لا يعني انفلات التأويل؛ فهناك فرق بين تعدد القراءات وبين اعتبار كل قراءة صحيحة لمجرد إمكانها. فالقراءة التي لا تجد ما يسندها في لغة النص أو علاقاته أو قرائنه أو سياقه تظل احتمالًا شخصيًا، أما القراءة التي تتشكل من تفاعل واعٍ مع هذه المعطيات فتكتسب مشروعيتها من قدرتها على التبرير داخل فضاء النص. ولا يبرر هذا التفاعل إسقاط تأويلات لا يحتملها النص، إذ تظل مشروعية التأويل رهينة بما يتيحه النص من قرائن وعلاقات وسياقات.
وفي التحليل التفاعلي للنص الأدبي، يتحرك هذا التجلي مع العملية الإجرائية، من العتبة إلى الأثر والوسيط الدلالي، ثم إلى السؤال التحليلي الرئيسي وما يفتحه من فجوات وأسئلة تحليلية ثانوية، وصولًا إلى حد الإشباع، ثم نتائج التحليل والاستنتاج. ولا يمثل التجلي مرحلة مستقلة من هذه المراحل، بل يصاحبها جميعًا بوصفه الحركة التي تكشف العلاقات والدلالات تدريجيًا.
ولا يكون الاستنتاج إغلاقًا للمعنى، وإنما هو المرحلة الأخيرة من العملية الإجرائية، وفيه تُركَّب نتائج التحليل وتُصاغ خلاصة ما أسفر عنه التفاعل مع النص من علاقات ودلالات وإجابات. لذلك يمكن للنص أن يظل قابلًا لقراءات أخرى، ما دامت قادرة على إقامة صلتها به وتقديم ما يبررها.
إن التجلي الدلالي للمعنى في التحليل التفاعلي للنص الأدبي يقوم، في جوهره، على علاقة تفاعلية لا تجعل المعنى ملكًا للنص وحده، ولا ملكًا للقارئ وحده؛ فالنص يتيح، والوعي يتفاعل، والتحليل يتتبع، والتجلي يكشف، والاستنتاج يصوغ ما انتهت إليه العملية، دون ادعاء استنفاد النص أو إغلاق دلالته.

عبدالكريم حنون السعيد

اترك رد