منبر العراق الحر :
ونحن على أعتاب أكتوبر، شهر الانتصارات الذي تتفتح فيه ذاكرة الوطن على واحدة من أعظم لحظات الكبرياء في تاريخه، تعود إلينا أصوات السمسمية من شوارع الإسماعيلية، كأنها لم تغادر يوما ضفاف القناة، وكأن الزمن لم يطوي بعد حكايات أولئك الذين صنعوا من وجع الحرب أغنيات، ومن حصار المدن إرادة لا تنكسر.
يعود أكتوبر محملا برائحة الأرض حين تسترد كرامتها، وبصدى الخطوات التي عبرت من ضفة الهزيمة إلى ضفة النصر، وبأصوات أجيال آمنت أن الوطن ليس مجرد أرض نولد فوقها، بل قضية نحملها في ضمائرنا، وكرامة لا تقبل المساومة.
لكن للأوطان ذاكرة لا تكتفي باستعادة أمجاد الماضي، بل تستدعي الحاضر إلى محكمة السؤال. فبينما نستعيد حكاية وطن قاوم عدوا جاءه من وراء الحدود، يلح علينا سؤال أكثر مرارة: ماذا لو لم يعد العدو دائما غريبا عن الأرض؟
ماذا لو تسلل الخطر إلى قلب الوطن، متخفيا وراء شعارات الانتماء، وممتدا بأيد أكلت من خيراته، وشربت من نيله، ثم جعلت من مقدراته غنيمة، ومن أحلام أبنائه ثمنا لمصالحها؟
كانت المدن التي أرهقتها الحرب، وأثقلتها مرارة التهجير، تعرف كيف تصنع من الحزن أغنية، ومن الألم إرادة، ومن السمسمية صوتا يعلو فوق هدير المدافع. هناك، في قلب المقاومة الشعبية، لم تكن الأغنية مجرد لحن عابر، بل كانت بيانا للانتماء، وعهدا بين الإنسان وأرضه، وصوتا يقول للمستعمر إن الأوطان لا تختزل في حدود جغرافية، وإنما تسكن في الوجدان الذي يرفض الانكسار.
«يا دنيا سمعاني… أبويا وصاني
ما أخلي جنس دخيل… يخش أوطاني»
لم تكن تلك الكلمات مجرد وصية أب لابنه، بل كانت وصية وطن لأبنائه، تختصر معنى المقاومة في أبسط صوره وأكثرها عمقا: أن تظل الأرض لأهلها، وأن يبقى الإنسان حارسا لكرامته، وألا يسمح لقوة غريبة أن تنتزع منه حقه في الحياة والحرية.
كانت الأغنية اختصارا لعلاقة الإنسان بأرضه، ولتلك الرابطة العميقة التي تجعل الوطن أكثر من حدود مرسومة على خريطة؛ تجعله ذاكرة وكرامة وانتماء، وحقا في أن يعيش الإنسان حرا فوق أرضه.
لكن المقاومة التي كانت بالأمس تعني مواجهة قوة تحتل الأرض، أصبحت اليوم تحتاج إلى معنى أكثر اتساعا. فمعركة الوعي تفرض علينا أن نوسع مفهوم المقاومة، لا لنستبدل عدوا بعدو، ولا لنصنع من الاختلاف حربا أهلية في الكلمات، وإنما لندرك أن الأوطان قد تتعرض للاستنزاف من داخلها أيضا.
تستنزف الأوطان حين تهدر مواردها، وحين يحرم أبناؤها من تكافؤ الفرص، وحين تصبح الكفاءة أقل قيمة من المحسوبية
وحين يتراجع العلم أمام الخرافة، ويقصى العقل النقدي لصالح ثقافة التلقين، وحين يطلب من الإنسان أن يكتفي بالتصفيق بدلا من أن يشارك في البناء.
وتستنزف حين يشعر الشاب أن مستقبله ليس في وطنه، وأن جهده لا يجد طريقا إلى التقدير، وأن أحلامه مؤجلة إلى أجل لا يعرفه. وتستنزف حين تضطر المرأة إلى خوض معركة يومية لإثبات حقها في الاختيار والمشاركة والكرامة، وحين يصبح الفقر قدرا موروثا، لا قضية تستوجب البحث عن أسبابها ومواجهتها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن ليس أن يفقد جزءا من أرضه فحسب، بل أن يفقد المعنى الذي يجعل الأرض وطنا. أن تتحول العلاقة بين الإنسان وبلاده من علاقة انتماء وكرامة إلى علاقة استنزاف وقهر، ومن عقد أخلاقي يقوم على الحقوق والواجبات إلى معادلة مختلة، يمنح فيها المواطن عمره وجهده وموارده، بينما لا يحصل إلا على الفتات.
وهنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر إلحاحا: ما الذي يجعل الإنسان عدوا لوطنه؟
أهو أن يختلف معه في الرأي؟
أم أن يعارض سياساته؟
أم أن يرفع صوته احتجاجا على الظلم؟
أم أن العداوة الحقيقية تبدأ حين ينفصل الفعل عن مصلحة الجماعة، وحين يصبح الإنسان شريكا في إهدار كرامة الآخرين وحقوقهم، وهو يزعم أنه يحمي الوطن؟
إن الوطنية ليست امتحانا في الطاعة، ولا نشيدا يردد لإثبات الولاء، ولا صورة معلقة على الجدران. الوطنية موقف أخلاقي من الإنسان، قبل أن تكون موقفا عاطفيا من الأرض.
ومن يحب وطنه حقا لا يكتفي بحراسة حدوده، بل يحرس أيضا عدالته، وكرامة أبنائه، وحقهم في المعرفة والعمل والحياة الكريمة.
فالمجتمع الذي يتعلم كيف يسائل السلطة، ويحاسب المسؤول، ويحمي المال العام، ويصون كرامة الإنسان، إنما يمارس شكلا من أشكال الدفاع عن الوطن، لا يقل أهمية عن حراسة حدوده.
ولكن، أي قيمة للانتصارات حين يشعر الإنسان أن معركته اليومية من أجل لقمة العيش والكرامة لا تنتهي؟
وكيف يمكن لذاكرة النصر أن تظل حية، إذا كان الحاضر يبدد ما صنعه الماضي من أحلام؟
و ليس أخطر على الوعي من أن يصبح الوطن كلمة مقدسة تستخدم لإسكات الأسئلة، أو أن تتحول محبته إلى ذريعة لتبرير كل فعل، مهما كان أثره على الناس.
فالوطن الذي لا يسمح لأبنائه بالنقد، ولا يحتمل مساءلة من يتولى شؤونه، يتحول في الوعي من فضاء للانتماء إلى مساحة للخوف.
الوطن الذي نريده هو الذي يستطيع أن يحتمل اختلاف أبنائه، وأن يحمي حقهم في السؤال، وأن يخضع المسؤول والمواطن للقانون ذاته، فلا تكون هناك سلطة فوق المحاسبة، ولا مواطنة منقوصة بسبب اختلاف الرأي.
الوطن الذي ننشده ليس ذلك الذي يتشابه أبناؤه في أفكارهم، بل الذي يتساوون في حقوقهم، مهما اختلفت رؤاهم.
فالوطن ليس سلطة تطاع، بل حياة مشتركة تستحق أن تصان. وليس عقيدة مغلقة، بل أفق إنساني يتسع للاختلاف، ويستمد قوته من قدرة أبنائه على مساءلته وإعادة بنائه.
إن محبة الوطن لا تعني أن نمنحه صمتنا، يا سادة، بل أن نمنحه شجاعتنا في كشف ما يعتريه من خلل، وأن نرفض أن تتحول الأخطاء إلى حقائق لمجرد أن أصحابها يتحدثون باسمه.
فالوطنية الحقيقية ليست أن نمنع الأسئلة كي نحمي الوطن، بل أن نحمي حق السؤال كي لا يفقد الوطن روحه.
إن الوطن الذي يخشى أسئلة أبنائه يخشى أن يرى صورته خارج مرايا المديح، والوطن الذي يساوي بين النقد والخيانة يخلط بين كرامة الأرض وامتيازات من يتولون شؤونها، وبين بقاء الدولة وصواب كل قرار يصدر باسمها.
الوطن ليس كيانا معصوما من الخطأ، ولا سلطة فوق النقد، ولا فكرة مكتملة لا تحتاج إلى مراجعة.
الوطن مشروع إنساني مفتوح، يتجدد بقدر ما يمتلك أبناؤه من قدرة على التفكير والمساءلة والتصحيح.
وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى: أن حب الوطن قد يكون أحيانا في قول ما لا يرغب الآخرون في سماعه، وأن الوفاء له لا يكون بتجميل أخطائه، وإنما بكشفها، ولا يكون بالصمت عن أوجاعه، وإنما بمحاولة فهم أسبابها، ولا يكون بالدفاع عن كل من يتحدث باسمه، وإنما بالدفاع عن الإنسان الذي يعيش فيه.
فالأشخاص يتغيرون، والسلطات تتبدل، والحكومات تأتي وتذهب، أما الوطن فيبقى. ولذلك لا يجوز أن تختزل محبة الوطن في الولاء لشخص أو مؤسسة أو سلطة، لأن الوطن أوسع من الجميع، وأبقى من الجميع.
ربما لم يكن الذين غنوا «يا دنيا سمعاني» في الإسماعيلية يدركون أن كلماتهم ستظل قادرة على عبور الزمن، وأن الأغنية التي ولدت في مواجهة عدو يقتحم الأرض ستظل تثير أسئلة جديدة عن معنى الوطن، وعن الذين يحمونه حقا، وعن الذين يستهلكون اسمه بينما يستنزفون روحه.
لقد تغيرت صور المعارك، لكن السؤال الجوهري لم يتغير:
لمن يكون الوطن؟
لمن يسكنه ويعمل من أجل كرامة أبنائه، أم لمن يستأثر بخيراته ويغلق أبوابه في وجه أحلامهم؟
ولعل الوصية التي نحتاج إلى أن نتركها لأبنائنا اليوم ليست فقط:
«ما أخلي جنس دخيل… يخش أوطاني»
بل أن نضيف إليها وصية أخرى، أكثر اتساعا وعمقا:
لا تتركوا أحدا يحول الوطن إلى غنيمة، ولا تسمحوا لأحد أن يجعل كرامة الإنسان ثمنا لبقائه. احموا الأرض من الاحتلال، واحموا الوعي من الاستلاب، واحموا الوطن من كل فعل يسرق مستقبله، ولو ارتكب باسمه.
واحموا الإنسان من أن يختزل في رقم، أو يختطف وعيه باسم المقدس، أو تصادر حريته باسم الوطن، أو تستباح كرامته باسم السلطة، أو يحاصر حلمه باسم الواقع.
احموه من كل ما ينتزع منه حقه في أن يكون إنسانا حرا، عاقلا، كريما، قادرا على الاختيار وصناعة مصيره.
فالأوطان لا تبنى على أنقاض الإنسان، ولا تصان بإهدار كرامته.
إن عظمة الوطن ليست في اتساع حدوده وحدها، ولا في قوة شعاراته، ولا في أمجاد تاريخه، وإنما في مقدار ما يمنحه لأبنائه من حرية، وما يكفله لهم من عدالة، وما يحميه فيهم من إنسانية.
وإذا كان أكتوبر قد علمنا أن الأرض يمكن أن تسترد بالإرادة، فإن معركة الحاضر تعلمنا أن الوطن لا يكتمل إلا بالعدل.
فما جدوى أن ننتصر للأرض، إذا خسر الإنسان حقه في أن يكون حرا وكريما فوقها؟
ابتهال عبدالوهاب
منبر العراق الحر منبر العراق الحر