قصة قصيرة ( على كتفيهِ كانت السماء )….منى الصراف

منبر العراق الحر :
لم تكن الطفلة تعرف من العالم سوى نافذتين: عيني أبيها، وفضاء السماء حين يجلسها فوق كتفيه.
كان يرفعها عالياً، حتى تشعر أن الأشجار أقصر من قامتها، وأن القمر قريب بما يكفي لتلمسه. وكانت تفرد ضفيرتيها للريح، فتتمايلان خلف ظهرها كجناحين صغيرين، بينما يضحك أبوها ويقول:
ـ احذري يا صغيرتي، فالسماء لا تُمسك، لكنها تحب من يحلم بالوصول إليها.
كانت تظن أن أباها أطول رجال الأرض، ليس لأنه كان يحملها فوق كتفيه، بل لأنه كان يجعل العالم يبدو أقل قسوة، وأكثر اتساعاً.
كلما تعثرت، كان يمد يده.
وكلما بكت، كان يمسح دمعتها قبل أن تسقط.
وكلما سألت عن شيء لا تعرفه، كان يفتح لها نافذة من الحكايات.
كبرت قليلاً، وصارت ضفيرتاها أطول، وصارت أسئلتها أكثر من قدرتها على الإجابة. وفي أحد الأيام، عادت من المدرسة حزينة، تحمل في عينيها انكساراً لم تألفه.
جلست أمام أبيها وقالت:
ـ أبي، لماذا يقولون إن البنت يجب أن تكون قوية مثل الرجل؟ ولماذا يسخرون من الفتاة إذا بكت أو أظهرت ضعفها؟
ابتسم، وأجلسها إلى جواره، ثم قال:
ـ يا ابنتي، لا تصدقي أن القوة تعني أن تتخلي عن رقتك، ولا أن الأنوثة تعني أن تكوني ضعيفة. هناك نساء يحملن العالم بقلوبهن، وهناك رجال لا يستطيعون حمل أوجاعهم. كوني كما أنتِ، ولا تسمحي لأحد أن يختار لكِ ملامح روحك.
في تلك الليلة، داهم المرض جسده. بدأ التعب يتسلل إليه بصمت، كأن خريفاً مبكراً قرر أن يزور شجرة لم تكتمل ظلالها بعد.
كانت تجلس قرب سريره، تمسك يده وتراقب وجهه الذي بدأ يفقد شيئاً من ضوئه. أرادت أن تبكي، لكنه طلب منها أن تقترب، ومد يده المرتجفة نحو ضفيرتيها.
مرر أصابعه بين خصلات شعرها، وقال بصوت خافت:
ـ أتذكرين حين كنت أحملك فوق كتفيّ وتفردين ضفيرتيك للريح؟
أومأت، وانهمرت دموعها.
قال:
ـ كنت أظن أنني أمنحك جناحين، لكنني اكتشفت أنك كنت تمنحينني سبباً لأظل واقفاً.
ثم صمت قليلاً، واستجمع ما تبقى في صوته:
ـ أريدك أن تتذكري شيئاً يا ابنتي… لا تجعلي قسوة الحياة تنتزع منك أجمل ما فيك. لا تخجلي من رقتك، ولا تسمحي لأحد أن يستغلها. كوني قوية، لكن لا تتحولي إلى نسخة من قسوة هذا العالم.
اقتربت منه أكثر، كأنها تريد أن تحفظ أنفاسه في صدرها.
فقال عبارته الأخيرة:
( مهمة المرأة أن تكون أنثى في هذه الحياة ) .
لم تفهم يومها كل ما أراد قوله، فقد كان الموت أسرع من أسئلتها، وأقسى من قدرتها على الوداع.
ومرت السنوات…
صارت امرأة، وغابت الطفلة التي كانت تجلس فوق كتفي أبيها، لكن ضفيرتيها ظلتا في ذاكرتها جناحين لا يشيخان.
وفي يومٍ عاصف، وقفت أمام المرآة، وأسدلت شعرها على كتفيها. رأت في انعكاسها ملامح أمها، وابتسامة أبيها، وشيئاً من تلك الطفلة التي كانت تظن أن السماء لا تبعد سوى مسافة كتفين.
فتحت النافذة، وتركت الريح تتسلل إلى الغرفة. انسابت خصلات شعرها على كتفيها، ثم رفعت رأسها نحو السماء، كأنها تبحث عن قامته المألوفة بين الغيوم.
ابتسمت، وأغمضت عينيها للحظة…
كان الهواء يعبث بضفيرتيها، تماماً كما كان يفعل ذات يوم، حين كانت صغيرة بما يكفي لتجلس فوق كتفيه، وكبيرة بما يكفي لتحلم بأن تطير.
ولمّا هبّت نسمة أخرى، شعرت أن أحداً يرفعها من جديد .
منى الصرّاف / العراق
من مجموعتي القصصية القادمة
— ما خبّأته الجذور

اترك تعليقاً