منبر العراق الحر :….كاتب وباحث في الاقتصاد السياسي….
لم تكن خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي مجرد انتكاسة انتخابية عابرة، بل كشفت عن تصدع في المشروع السياسي الذي يقوده دونالد ترامب، وعن تراجع قدرة خطابه الشعبوي على الاحتفاظ بالتحالف الانتخابي الذي أوصله إلى البيت الأبيض عام 2024. فالنتائج لم تعكس فقط انتقالاً في موازين القوى داخل الكونغرس، وإنما أظهرت اتساع الفجوة بين الوعود الانتخابية والواقع الذي يعيشه الأمريكيون، وطرحت تساؤلات جدية حول مستقبل القيادة الجمهورية خلال المرحلة المقبلة.
*أولاً: غلاء المعيشة يهزم الوعود الترامبية*
كان الاقتصاد المدخل الأساسي الذي اعتمد عليه ترامب لاستعادة الرئاسة، متعهداً بخفض التضخم، وتقليل تكاليف المعيشة، وتحسين القدرة الشرائية، وإعادة الاعتبار للصناعة والوظائف الأمريكية. لكن استمرار ارتفاع الأسعار، وزيادة تكاليف الوقود، والضغوط التي واجهتها الشركات والمزارعون نتيجة الرسوم الجمركية والحرب التجارية، أضعفت الثقة بقدرته على تنفيذ وعوده.
فالناخب الأمريكي لا يحاسب الإدارة على شعاراتها، وإنما على انعكاس سياساتها على دخله ومستوى معيشته. وعندما لم يجد المواطن التحسن الذي انتظره، تحولت الوعود الاقتصادية من مصدر قوة لترامب إلى أحد أسباب تراجع شعبيته.
*ثانياً: الحرب على إيران*
تمثل الحرب على إيران أحد أبرز العوامل التي ساهمت في تغيير المزاج الانتخابي. فقد وصل ترامب إلى السلطة بخطاب يرفض الحروب الخارجية المكلفة، ويدعو إلى توجيه الموارد الأمريكية نحو الداخل، لكنه وجد نفسه يقود مواجهة عسكرية ترتبت عليها أعباء اقتصادية واستراتيجية، وامتدت تداعياتها إلى أسعار الطاقة والوقود.
وهنا ظهر التناقض بين خطاب ترامب وممارسته، فالناخب الذي أيده على أساس إنهاء الحروب وجد بلاده منخرطة في مواجهة جديدة، لا تتضح نهايتها ولا حجم تكاليفها.
ولم يعد هذا الاعتراض مقتصراً على الديمقراطيين، بل امتد إلى داخل الحزب الجمهوري نفسه. فقد حمّل نائب الرئيس “جي دي فانس” الحرب على إيران مسؤولية أساسية عن الخسارة، داعياً إلى مراجعة المسار السياسي، في إشارة إلى أن جزءاً من القاعدة الجمهورية لم يعد مقتنعاً باستمرار النهج الحالي.
*ثالثاً: تآكل التحالف الانتخابي لترامب*
نجح ترامب في انتخابات 2024 في جمع تحالف واسع ضم المحافظين والطبقات العاملة والشباب واللاتينيين والناخبين المستقلين. لكن هذا التحالف لم يكن قائماً على تطابق المصالح، بل على تقاطع مجموعة من التوقعات، أبرزها تحسين الاقتصاد، وتشديد سياسة الهجرة، وتقليص التدخلات العسكرية الخارجية.
ومع تعثر بعض هذه الوعود، بدأت التناقضات تظهر بين مكونات هذا التحالف. فشرائح من الشباب واللاتينيين والمستقلين لم تجد في السياسات المتبعة ما ينسجم مع تطلعاتها، فيما تراجعت حماسة بعض الناخبين الجمهوريين التقليديين.
وهكذا لم تكن المشكلة في انتقال أصوات المعارضين إلى الديمقراطيين فقط، بل في فقدان الجمهوريين جزءاً من التأييد الذي منحهم الفوز سابقاً.
*رابعاً: تدخل ترامب في اختيار المرشحين وإضعاف الحزب*
أحد أسباب الخسارة يتمثل في تدخل ترامب المباشر في اختيار مرشحي الحزب الجمهوري، وتفضيل شخصيات ترتبط بولائها السياسي له، حتى عندما كانت موضع خلاف داخل الحزب أو لا تتمتع بقبول انتخابي كافٍ.
وقد ظهرت هذه المشكلة في عدد من الولايات، ومنها تكساس وكارولاينا الجنوبية، حيث لم ينجح دعم ترامب لبعض المرشحين في ضمان فوزهم.
وهنا برزت معضلة داخل الحزب: هل تكون الأولوية للولاء لترامب أم لاختيار مرشحين يمتلكون القدرة على استقطاب الناخبين؟ فالنفوذ داخل الانتخابات التمهيدية لا يعني بالضرورة القدرة على الفوز في الانتخابات العامة، وهو درس قد يدفع الجمهوريين إلى إعادة النظر في آليات اختيار قياداتهم ومرشحيهم.
*خامساً: الفساد وتضارب المصالح وتراجع الثقة*
ساهمت الاتهامات المتعلقة بتضارب المصالح واستغلال النفوذ والانشغال بالمشروعات التجارية لعائلة ترامب في زيادة الانتقادات الموجهة إلى الإدارة. كما أثارت سياسات الهجرة والتغييرات التي طالت المؤسسات الفيدرالية والاتهامات بملاحقة الخصوم السياسيين جدلاً حول حدود السلطة الرئاسية. وقد استثمر الديمقراطيون هذه الملفات في حملتهم الانتخابية، رابطين بينها وبين تراجع الاهتمام بالمشكلات المعيشية للمواطن الأمريكي.
*سادساً: العلاقة مع إسرائيل*
من التطورات اللافتة في هذه الانتخابات أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لم تعد بمنأى عن التنافس السياسي الداخلي. فقد كانت هذه العلاقة تقليدياً تتمتع بدعم واسع من الحزبين، لكن الحرب في الشرق الأوسط، والتداعيات الإنسانية في غزة، والحرب على إيران، دفعت قطاعات من الرأي العام الأمريكي إلى المطالبة بمراجعة طبيعة الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل.
وتشير التقارير التي تناولت نتائج الانتخابات إلى دخول شخصيات تقدمية إلى الكونغرس بمواقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، وإلى تزايد النقاش حول دور جماعات الضغط والتمويل السياسي في التأثير على القرارات الأمريكية.
وهنا يواجه ترامب معادلة معقدة: فهو مطالب بالموازنة بين التزاماته تجاه إسرائيل، وبين مزاج انتخابي داخل حزبه وخارجه بات أكثر حساسية تجاه كلفة الحروب والدعم العسكري الأمريكي غير المشروط.
ولا يعني ذلك أن واشنطن ستتخلى عن تحالفها مع إسرائيل، أو أن الكونغرس سيحدث تحولاً فورياً في السياسة الأمريكية، لكنه يعني أن هذا التحالف أصبح أكثر عرضة للنقاش والمساءلة السياسية.
*سابعاً: ماذا ينتظر ترامب خلال العامين القادمين؟*
إن انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين يضع إدارة ترامب أمام مرحلة مختلفة، تتراجع فيها قدرتها على تمرير التشريعات والبرامج الاقتصادية والضريبية دون مواجهة برلمانية.
ومن المتوقع أن يستثمر الديمقراطيون أغلبيتهم في فتح تحقيقات بشأن الحرب على إيران، والإنفاق العسكري، والرسوم الجمركية، والهجرة، وتضارب المصالح، وأداء المؤسسات الحكومية. كما ستصبح التعيينات العليا داخل الإدارة أكثر تعقيداً بسبب دور مجلس الشيوخ في المصادقة عليها.
لكن ذلك لا يعني أن ترامب أصبح عاجزاً عن ممارسة صلاحياته، فهو لا يزال يمتلك سلطات واسعة في السياسة الخارجية والقيادة العسكرية، إضافة إلى حق النقض الرئاسي. غير أن قدرته على تنفيذ أجندته السياسية ستصبح أكثر تعرضاً للعرقلة والمساءلة.
وفي داخل الحزب الجمهوري، تبرز معركة أكثر أهمية تتعلق بمستقبل القيادة. فظهور “جي دي فانس” في موقع المنتقد لبعض سياسات الإدارة يطرح تساؤلات حول احتمال تشكل تيار جمهوري يريد العودة إلى خطاب رفض الحروب المكلفة، وتقليص التدخل الخارجي، والتركيز على الاقتصاد الداخلي.
أما على مستوى الشرق الأوسط، فإن ترامب سيواجه معادلة صعبة بين التصعيد العسكري مع إيران، والبحث عن تسوية تفاوضية، وتجنب استمرار حرب ترفع تكاليف الطاقة وتستنزف رصيده السياسي. وفي المقابل، ستراقب إسرائيل انعكاسات التحول داخل الكونغرس على طبيعة الدعم الأمريكي وحدوده.
إن انتخابات 2026 فتحت الباب أمام مرحلة من الصراع السياسي والمؤسساتي داخل الولايات المتحدة، ولن تقتصر آثارها على علاقة البيت الأبيض بالكونغرس، بل ستمتد إلى مستقبل الحزب الجمهوري نفسه، وإلى طبيعة السياسة الأمريكية الخارجية، خصوصاً تجاه الشرق الأوسط. وتبقى انتخابات 2028 حاضرة في حسابات الجمهوريين، باعتبارها محطة ستحدد شكل القيادة المقبلة، ومدى استمرار المشروع السياسي الذي ارتبط باسم دونالد ترامب.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر