منبر العراق الحر :
“…لا أدري أهيَ فتنة ربّانية، أم هي لعنة لما ترتّب من عصيان آدم لربّه أم هي غواية شيطانية أو أمر سوء سوّلت به النّفس لماّ تكون بمفردك مُستقلا و حُرّا ،
مالكا لنفسك و سيّدا عليها و -سيّدا على/ أو بين- أهلك و قومك حتى تقع بمحض إرادة ( لا أدري ما هوية الجهة الغيبية أو المعلومة التي كان لها تأثير أو دخل في ذلك !)،
فيُزيّن لك أمر التسبب في ( خلق) أو صُنع كائنات حيّة ناطقة مثلك تعتقد ( سحرا من الغواية ) أنها ستُكمّلكَ و قد تزيد من قدرك و ستؤنسُ وحدتك و ستشدُّ عضدك وقت الحاجة و تنصرك وقت منازلاتك مع مكارب الدّنيا و قوارعها المُصيبة ..
و تعتقد ( زيغا ، أو غرورا ، أو فتنة أو قدرا محتوما قد تكون لست أنت فيه بمسؤول.. ربّما!)؛ أنّ سعادتك ستكون أكبر و أفضل مع تلك الكائنات التي حرصت على تنميتها و رعايتها بفضلك و تحت كنفك ..
و تتعلّق بغواية ( الأمل)، يُلْهِك هذا الأمل ( المُزخرف بالغواية الدنيوية) لهوا في منتهى التضليل و تصبح متورطا في هذا الحلم ( السّام) أو الحلم الكاذب المُفخّخ ..
و متورط في انتظار قطف ثمار ( سمّ ابتلعته طواعية ) من كنت فيهم سببا في الانتماء إليك و كانوا من رحيق صُلبك المصلوب بالغرور الدنيوي ..
تنسى عمرك ، تنسى ربّما ربك ، و تتورّط أكثر في ورطة أنتَ صنعتها بكل خياراتك و أبجدياتها ظاهرًا ، و تنتظر بفارغ الصبر أن تقطف ثمارك و يُجازى الإحسان بالإحسان و التضحية بالتضحية ..
تنتظر بلهفة و شغف السّذج أن يُقال لكَ قبل نهاية مطاف حياتك : ( شكراً .. شُكراً، شُكراً لك على كل هذه الملحمة الإنسانية لأنّك كنت حاضرا بكل جزيئاتك و بكل حالاتك و بكل تضحياتك وبكل وفائك .. )..
تستمرُّ و تورّطك في ( الأمل) و ( الحلم) و هما يلهيانك عن الحقيقة المرة ، و لا تكتشف إلا قُبيل نهاية مطاف حياتك أنّكَ كنت شبيها بقِرد حديقة حيوانات وُضعَ لتسلية الزوّار !
تكتشف أنّكَ كنتَ تصنع و تُربّي و تَبني و تُنمّي و تُمتّن قوائم و أنياب و مخالب “وحوش” ، أغوال ضارية، دون رحمة ذات بأس شديد بدأت دون أن تنتبه في استهلاكك و نهش ما تبقّى من لحم عظمك الذي كسرته الدّنيا لأجلهم
-تتساءل بكلّ اغترابك: هل يمكن للوحوش أن تتحوّل من وحشيتها و تصبح أرواحا و كائنات حية نافعة صالحة، خيرية كما الملائكة ؟
في ذات الوقت، تعي جدا أن ” وحوشك” هم خلاصات جيناتك الشخصية .
-بكل اكتراثية المنطق، بكل شكوكك تحاول استفزاز الأسئلة أكثر ، لكنك تطرح السؤال الموجع :
-هل أنا “وحش”؟!.
و تكتشف أن آلية التهامك و تمزيقك و ذبحك سارية و جارية دون توقف و تزداد ضراوة وحوشك و بطشها مع اشتداد عودهم -بفضل سذاجتك – و يتزايد عدوانها للقضاء عليك .. حينها فقط و بعد فوات الأوان تعود إلى -رُشد آدم ما قبل التُفّاحة- جنّة في ذاتها، أن الوحدة نعمة ربانية و هي تاج لا يملكه لا الملوك و لا حتى الملائكة ، لا إله إلا أنتَ ! لهذا لا يشبهك أحد في كل أمر يا الله ! لكننا اخترنا سبيل استعباد أنفسنا بأنفسنا ، لأن الخالق ترك لنا الاختيار !”.
—*) كاتب، مفكر، مترجم، تشكيلي، إعلامي ، مصور فوتوغرافي ، مدير تحرير-نشر صحيفة ( الفيصل)-باريس.
*باريس الكبرى جنوبا
٢٤/٥/٢٣
منبر العراق الحر منبر العراق الحر