منبر العراق الحر :
نشرت أمنية، ابنة الفنان المصري إيمان البحر درويش، صورةً صادمة لوالدها على صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، وأشارت فى المنشور إلى حساب والدها وكذلك حساب شقيقها إسلام، وظهر الفنان الكبير وهو على فراش المرض، غائباً عن الوعي، معانياً حالة صحية متدهورة.
ويبدو فاقداً للكثير من وزنه، ومتساقطاً شعره، بدرجة لا يمكن معها استيضاح ملامحه، وعلقت ابنته قائلة “سيشهد التاريخ أن ده إيمان البحر درويش”، دون أن تفسّر مغزى جملتها أو توضح الحالة المرضية التي يعانيها.
أثارت الصورة الكثير من الغضب والتعاطف في آن، إذ هاجم قطاع كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي الابنة؛ لإقدامها على تصويره وهو في هذه الحالة من دون إرداته وهو غائب عن الوعي، بينما التمس لها آخرون العذر مبرّرين ذلك بأنها ربما تحاول الاستنجاد وتسليط الضوء عليه ليلقى الرعاية اللازمة، أو ربما يتعرض لظلم ما فأرادت لفت الانتباه ليتم إنقاذه.
يبدو الغرض من نشر الصورة غامضاً، فهو مريض منذ سنوات ولم تقدم أسرته على نشر صورته من قبل، وغير معلوم إذا ما كان الغرض هو شكوى مبطنة من تعامل سياسي خشن أو تسعفي، أم الغرض هو حب الظهور ومسايرة الترند.
حاول “النهار العربي” التواصل مع ابنته عبر رسائل صفحتها على موقع “فايسبوك” لاستبيان مبرراتها والاطمئنان على حالة الفنان الكبير، ومعرفة سبل الدعم التي يحتاجها لعرضها على الرأي العام، لكننا لم نتلقّ رداً حتى نشر المقالة.
تأويلات سياسيّة
ثمة من حمّل المسألة أبعاداً سياسيّة، وهناك من اعتبر أنّ هدف الصورة هو إلقاء الضوء على احتمالية تعرّضه لمظلومية سياسية، استناداً إلى غياب درويش عن الساحة خلال السنوات الأخيرة، وذلك عقب انتقاده للسلطة في أحد الفيديوهات عبر صفحته على “فايسبوك”.
وروّج آخرون تعرضه للسجن عقب ذلك، وحينها خرجت أسرته لتنفي ذلك نفياً قاطعاً وتعلن أنه يعاني مرضاً ألقى بأثره على قواه الذهنية، وأن غيابه بسبب خضوعه للعلاج، مهاجمين من قاموا بترويج هذا الطرح، ورافضين استخدام والدهم في أحاديث الجدال السياسية آنذاك.
واليوم، عقب نشر هذه الصورة، أعلنت شركة المتحدة للخدمات الإعلامية (شبه حكومية) تكفّلها بعلاج إيمان البحر درويش تقديراً لموهبته ومشواره الفني، وهو ما يعد نفياً ضمنياً من المؤسسات الحكومية المصرية لهذه التأويلات السياسية المتعلقة باحتجازه أو التنكيل به.
فسَّر بعضهم الآخر نشر الصورة على أنها نوع من التجارة به، لغض الأنظار عن جريمة ارتكبها نجله (إسلام) خلال الفترة الأخيرة، إذ تزامنت مع إصدار محكمة الجنايات في الإسكندرية حكماً بالسجن ثلاث سنوات ضده، لتسببه في قتل طفل دهساً بسيارته التي كان يقودها بسرعة فائقة وتحت تأثير المخدرات، وهو ما فسره البعض أنه محاولة من الابنة للربط بين مواقف والدها السياسية وتعرض أخيها للتنكيل، معتبرين إياه ادعاءً غير حقيقي بأنه حكم سياسي.
مدى أخلاقيّة نشر الصور الخاصّة
وأثارت الصورة إشكالية جدلية متكررة حول مدى أخلاقية نشر الكثير من المواد والصور على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ أضحى هناك إصرار على نشر الخصوصيات، من دون وضع حد فاصل أو معايير لما ينبغي نشره أمام الناس، وما يجب الاحتفاظ به شخصياً، وهو إحدى سلبيات سطوة التراند على مواقع التواصل الاجتماعي التي شجعت الناس على جعل حياتهم الخاصة مباحة ومتاحة أمام الجميع، دون أي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية من أجل حصد المشاهدات والتفاعل.
ومن جانبه، استنكر استشاري تكنولوجيا الإعلام والتحول الرقمي أحمد عصمت، نشر الصورة على هذا النحو المعيب، وقال لـ”النهار العربي”: نشر الصورة غير إنساني في المقام الأول، فضلاً عن كونه غير أخلاقي، خصوصاً أن إيمان البحر درويش ليس شخصية عادية، بل فنان كبير وأحد الشخصيات العامة في المجتمع، كما أنه حفيد مطرب شهير هو سيد درويش صاحب النشيد الوطني لمصر، وينبغي المحافظة على صورته العامة، سواء كان مريضاً أم يخضع للعلاج.
وأضاف عصمت: “لماذا تكون هذه الصورة هي آخر ما يعلق في أذهان محبيه ومتابعيه؟ فهو تصرف غير مدروس العواقب، ربما كانت ابنته سليمة النية بخصوص النشر، لكنها أدت إلى نتيجة سلبية للغاية”.
كما استنكر قيام المؤسسات الإعلامية والمواقع الصحافية بإعادة نشر الصورة قائلاً “كان ينبغي عدم نشرها أو على الأقل إخفاء الملامح، لكنّ بعضهم نشرها بغرض مسايرة التراند ولحصد المشاهدات والتفاعل”.
واعتبر متابعون أن نشر هذه الصورة معيب وغير أخلاقي، وهو انتهاك لخصوصية مريض عبر مشاركة صورة من غير موافقته، ونوع من الاستهتار من أجل الشهرة أو مغازلة التراند.
وأشار عصمت إلى أن الناس لا تدرك حرمة الحياة الشخصية، وهذه ليست مشكلة مواقع التواصل الاجتماعي بل مشكلة استخدام الناس لها، فالسوشال ميديا هي مجرد أداة، ويستخدمها الناس استخداماً خاطئاً، وهنا يأتي دور التربية الإعلامية لتوعية الجمهور بما ينبغي كتابته ونشره وما لا ينشر، لذلك ننادي بتدريس مادة التربية الإعلامية في كل المدارس لتوعية النشء، ونشر الوعي بخصوص كيفية التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي.
صورة تثير الشجون
أصابت صورة إيمان البحر درويش الرأي العام المصري بالصدمة، خصوصا أنه كان معروفاً عنه وسامة الشكل وأناقة المظهر، سواء في شبابه أو قبل انزوائه عن الأضواء بفعل المرض، ومن المؤكد لو كان بكامل وعيه لما أحب أن يراه جمهوره على هذه الحالة.
كما أثارت الذكريات والشجون، إذ تنذر بغياب جيل مؤثر من الفنانيين ينتمي إليه درويش، سواء عبر موت حقيقي أو رمزي، إذ غاب عدد كبير من أبناء هذ الجيل خلال السنوات الأخيرة، وبينهم هشام سليم بفعل مرض السرطان أيضاً، وهو الذي شارك إيمان البحر درويش في فيلم “تزوير أوراق رسمية”، وكذلك علاء عبد الخالق قبل أيام، ومن قبلهم أحمد الحجار وعلي حميدة وغيرهم، ولعل ما يجمعهم تواريهم عن الأضواء في سنواتهم الأخيرة، ومعاناتهم المرض والنسيان وانطفاء النجومية.
ويبدو أن ما جمع كثيراً من أبناء هذا الجيل هو الموهبة الكبيرة وسوء الحظ، إذ بدأوا حياتهم الفنية بانطلاقة فنية قوية تضعهم في مصاف نجوم الصف الأول، وسرعان ما تواروا عن الأنظار بفعل الأزمات أو المرض أو تغير ذائقة الجمهور.
بين الجد والحفيد
جددت صورة إيمان البحر الذكريات حول علاقته بجده سيد درويش الذي مات شاباً ميتةً تراجيديةً مبكرة، وهو الذي نشأ فقيراً وسرعان ما كان غدا واحداً من أكبر الموسيقيين في مصر، وعانى المنع من الغناء بسبب تصدي أغانيه للاستعمار وأعوانه، وتناول معاناة الشعب الاجتماعية حتى لقب بـ”فنان الشعب”، وقيل إن موته بسبب جرعة مخدرات زائدة.
وفي المقابل، هناك حالة الحفيد الذي شهدت بدايته الفنية وثبة قوية، سواء على مستوى الغناء أو التمثيل تذكر بأمجاد “الجد”، لكن عطّلتها الأزمات، إذ عانى إيمان البحر درويش عدداً من الأزمات الفنية، منها اتهامه بتحريم الفن، وهو ما نفاه لاحقاً، ثم منعه من الغناء بقرار من نقابة الموسيقيين، إذ دخل في نزاع قضائي مع نقيب الموسيقيين السابق هاني شاكر، بسبب شطب عضويته في نقابة المهن الموسيقية، بدعوى أن “إيمان” مقيد في نقابة المهندسين، ولا يجوز الجمع بين عضوية نقابتين، وتحويله من عضو عامل إلى عضو منتسب، وأصبح لا يجوز له الغناء إلا بتصريح من النقابة، ثم داهمه المرض وأصيب بنزيف في المخ وشلل نصفي، وتدريجياً توارى عن الأنظار.
يذكر أن إيمان البحر درويش من مواليد اﻹسكندرية عام 1955، تخرج من كلية الهندسة- جامعة اﻹسكندرية. ثم بدأ مشواره الغنائي بتكوين كورال غنائي أثناء دراسته في الكلية بغية تقديم أعمال جده الفنان الراحل سيد درويش، واتجه لاحتراف الغناء منذ عام 1982، ولمع نجمه سينمائياً، إذ شارك في بطولة أفلام “طير في السماء”، “تزوير في أوراق رسمية”، “حكاية في كلمتين” ومسلسل “حبيبي الذي لا أعرفه”، كما تقلد منصب نقيب الموسيقيين عام 2012.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر