الأهوار وبركة النّبي محمد “ص”…. نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :

تقعُ قريتُنا عندَ الضفافِ البعيدةِ، في ممالكِ ضفاف الشمس، حيث تمتدُّ الأهوارُ إلى أفقٍ لا تصلُ إليه سوى المشاحيف، وحكايات بعضها يتصلُ بالواقعِ لكنَّ أغلبها كان خرافياً ، وكلما أراد المعلمون في مدرستنا أن يجمعوا الخرافة بالحقيقة عندَ نقطة متقاربةٍ فإنهم لا يستطيعون ، غير إنَّ تلك الخرافات لن تصمدَ أمام عقائد أهل الأهوار حين يأتي ذكْرُ النبي أو الإمام المعصوم، أو السيد العلوي؛ وأغلب مراقدهم متفرقة على خارطة الأهوار.
ويومَ كنتُ أعلّمُ تلاميذَ الصفِّ الخامس وعددهم أربعة تلاميذ من مجموع ثمانِ قرى متقاربة مبادئ التاريخ وكيفَ نعرفهم . تفاجأتُ برغبةِ التلميذ مسعد بقوله: أستاذ نريدُ أن نعرفَ شيئاً عن النبي محمد “ص”.
حينها أوجزتُ لهم السيرة، ولكن مسعد توقفَ عند غارِ حرّاء . وقال: تمنيتُ لو أنَّ الغارَ هذا كان موجوداً في كربلاء ليحمي الحسين، فالنبي كان يصلي فيه وحتماً سيحفظ لأنه جدُّ الحسين.
يومها تعجبتُ من فطنةِ مسعد، وأرجعتُ ذلك إلى ذكائهِ الغريب منذ أن أصبحَ يستعيرُ مني الكتاب . وخشيتُ على فطنتهِ من أسئلةٍ أخرى قد يوقظها في ذاكرة التلاميذ، عندما عادَ ليطلبَ مني إن كان بإمكاني رسم الغار.
فسألتهم :منْ منكم رأى جبلاً في صورة .
لم يرفع أحدهم يده سوى مسعد عندما قال : نعم رأيتُ صورَ الجبال في أطلس الجغرافية .
قلتُ : هو فتحة كبيرة ومختبئة في الجبل يسمونها الغار، وبها كان النبي يختلي للعبادة خوفاً من مضايقة قريش. وهناك غارٌ ثانٍ اسمه غارُ الثور اختلى به النبي وصاحبه، ومنه ابتدأت الهجرة النبوية .
قال مسعد : سمعتُ بالهجرة النبوية.
قال التلميذ فاخر : وأنا سمعتها من ملا جواد الذي يقرأ ببيتنا في شهر عاشوراء .
ثالثٌ قال مبتسماً : هل تسمى هجرة عندما تعود إلى مدينتك يوم الجمعة وأنت تركبُ المشحوف ؟
قلتُ : لا ، هذا سفر .
قالَ مسعد: هذا يعني أنَّ الأنبياء وحدهم من يهاجرون ؟
قلتُ :ليس الأنبياء وحدهم، كلُّ الناسِ تهاجرُ ، ولكن هجرة الأنبياء مختلفة.
قال : ربما لأنها تبدأ من فتحةِ في الجبلِ؛ الغارُ كما تسميه! كم أتمنى أن أعرفَ عن غارِ حراء وغارِ الثور ، فأنا لم أجدهما في الأطلس.
قلتُ : ليُخرج جميعكم دفتر الإنشاء، سأكتبُ لكم على الصبورة شيئاً عن غارِ حرّاء وغارِ الثور. خذوا الورقة إلى البيت وأعيدوا قراءتها ليلاً لعدّة مرّات وستتخيلون الأمر كيف نجا النبيُّ من المشركين.
صاحَ التلاميذُ بصوتٍ واحدٍ وبفرحٍ : نعم أستاذ نريدُ ذلك .. نريدُ تعريفاً للغارين .
قلتُ لهم اكتبوا :
غارُ حرّاء، هو الغارُ الذي كانَ يختلي فيه رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ونزولِ القرآن عليه بواسطةِ المَلَك جبريل، وهو المكان الذي نزلَ الوحي فيه لأوّل مرّة على النبي؛ وغارُ حرّاء يقعُ في شرقِ مكة المكرمة على يسارِ الذاهب إلى عرفات في أعلى “جبل النور” أو “جبل الإسلام”، على ارتفاع 634 متراً، ولا يتسعُ إلاَّ لأربعة أو خمسة أشخاص فقط. يبعدُ مسافة أربعة كيلومترات عن المسجد الحرام؛ وغارُ حرّاء هو فجوة في الجبل؛ بابها نحو الشمال، طولها أربعة أذرع وعرضها ذراع وثلاثة أرباع، ويمكنُ لخمسة أشخاصٍ فقط الجلوس فيها في آنٍ واحد، والداخل لغار حرّاء يكونُ متجهاً نحو الكعبة كما ويمكنُ للواقفِ على الجبلِ أن يرى مكة المكرمة والكعبة (بعد إنشاء الطابق الثاني للحرم لم يعدْ ممكناً رؤيتها) وأول آيات القرآن الكريم نزولاً كانت فيه بدأها الوحي بآية: {{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)) من سورة العلق.
قال التلاميذُ: أستاذ هذا كلامٌ صعبٌ. إننا لا نعرفُ أن نكتبه ونقرأه .
قلت : اكتبوا ما سأكتبه لكم عن غار الثور ، ولكن يوم غدٍ لأني أعرف أنكم كي تكتبوا هذا الكلام ستحتاجون وقتاً أكثر من ساعة ، وسأطلب الدرس الثاني من زميلي معلم الرياضيات لتكملوا نقلَ ما كتبته .
قال مسعد : أنا أتخيلُ الأمرَ، وربما في نصف ساعة أكون قد نقلتُ التعريف ، لكنني أجدُ مشكلة في الفهم على الرّغم من أنني أتخيلُ شكلَ غار.
مسعد فقط من أكمل مبكراً . لكني كنتُ أرى حماساً في عيونِ التلاميذ وهم ينقلونَ في دفاترهم ما ملأتُ به السبورة من تعريفٍ لغارِ حرّاء، وأعرف أنَّ التعريف يحتاجُ معلماً جيداً .
رفعَ التلاميذ وجوههم مرّة واحدة وقالوا بصوتٍ واحدٍ : انتهينا يا أستاذ نريد الآن الغار الثاني؟
وحده مسعد ردّدَ خلفهم : غارُ الثور يا أستاذ .
ذهبتُ إلى السبورة وكتبتُ تعريفاً لغار الثور وقلتُ : هذا تعريفٌ قصيرٌ ستكتبونه بدقائق ، وسأعلمكم كيف تتصرفونَ مع الورقتين في البيت.
انبرى مسعدُ ليقولَ لزملائه : علّقوها إلى جانب صورة الإمام علي “ع”.
قال أحدهم: ولكن عندنا فقط صورة الحسين.
قال مسعد : نعم فالنبي جدُّ الحسين أليس كذلك يا أستاذ .
قلت : نعم وابن عم الإمام علي .
قال مسعد مبتسماً : يعني كلها بركة؟
قلت مبتسماً : نعم كلها بركة. ثم دوّنت تعريف الغار الثاني وأنا أسمع سعادة الأقلام وهي تحتكُّ بورق دفاتر التلاميذ:
غارُ ثور يقعُ في الجهة الشمالية من جبلِ ثور جنوب مكة المكرمة، وعلى بعدِ نحو أربعة كيلو مترات في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام. وهو الغار الذي أوى إليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق وهما في طريقهما إلى المدينة المنورة في رحلة الهجرة النبوية، فدخلا فيه حتى إذا هدأ طلبُ قريش لهما تابعا طريقهما. يبلغُ ارتفاعه 760 متراً عن سطح البحر.
بفرحٍ حملَ التلاميذ دفاترهم وفيها تعريف للغارين، نصفهم حملت عيونهم إصراراً غريباً لهذه التعاريف .عندما تقدّم أحدهم وسألني :أستاذ هل تمتحنا وتطلبُ منا أن نكتبَ ما حفظناه عن الغارين ؟
قلتُ : لا هذا من أجلِ بركة بيوتكم .
قال مسعد : سأفهِم أبويَّ بهذا وأتمنى أن يقتنعا.
قلتُ بماذا ؟
قال: هما لا يعرفان عن الغارين شيئاً ، وعليَّ أن أقنعهما أن تعليقهما بركة كما حال صور الأئمة على جدران الصريفة.
قلتُ سيقتعان ما أن يعرفا أنَّ الغارين هما المكانان المفضلان للنبي محمد “ص”.
في الليل انتبهتُ إلى فوانيسِ بيوت القرية التي بقيت مضاءة إلى وقتٍ متأخر على غير عادتها، فعرفتُ أنَّ التلاميذ أصروا على تهجئة التعريفين ومحاولة حفظهما، وكما توقعتُ ففي صباح اليوم الثاني حملَ الجميعُ إليَّ أسئلة كثيرة حول التعريفين، وأرادوا مني تفاسير كثيرة، وكان من الصعب تفسيرها ، ومتى فسرتها أشعرُ أنهم لا يستوعبون جيداً، ومع هذا فهم يشعرون بسعادة كبيرة. لقد عرفوا عن نبيهم الكريم أشياء كثيرة مثلما يعرفون عن الحسين من خلال الزيارة السنوية لقارئ المنبر في عاشوراء.
حتى إنَّ مسعد أتى إليَّ في يوم ما ، وأخبرني أنه صار يستنسخ التعريفين لبيوت أخرى في قرى بعيدة عرفتْ بالأمر وأرادت لحيطانها بركة .
ثم قال ضاحكاً :هل تعلم يا أستاذ أن القرى الأخرى يأتي رجالها بمشحايف ليستلموا مني الورقة، والثمن أن أغلبهم يأتون إليَّ بدجاجة بفضل؛ بركات النبي بيتنا امتلأ بالدجاج .
قلت ضاحكاً : ولماذا لا تكون حنوناً على معلمك وتجلب له دجاجتين .
قال : لا أستاذ أربع دجاجات تأخذهن معك حين تذهب في الإجازة إلى بيتكم في المدينة.
أدخلتْ بركة النبي محمد “ص” سروراً جديداً في أرواح أهل القرية والقرى المجاورة . اختصرها التلميذ أسعد قائلاً : لقد كنا نحلفُ برأس النبي ولم نكن نعرفُ من أي مكانٍ هاجر من مكة والمدينة وأين كان يتعبد .الآن نعرفُ جيداً كما نعرف ما حدث للحسين بكربلاء.
بعد أعوامٍ عندما نالت الهجرة من عمري شوطاً من النأي والمنفى ، عدتُ إلى القرية زائراً أستعيد ذكرى تلك الأزمنة وأتفقدُ التلاميذ الذين أصبحوا رجالاً الآن . كان أولادهم من يذهبون بقطعان الجواميس إلى قيلولة الأهوار والرعي، تفقدتهم واحداً واحداً ، ودمعة الحزن الوحيدة نزلت من عيني لأنَّ اثنين من تلاميذي قتلتهم الحرب ، والغريب أنَّ كلَّ واحد منهما قُتل بشظية مدفع وهو يحتمي بجدارِ غار في جبالِ جبهات الشمالِ البعيد.
ماتا في غارِ الحربِ وهما يعرفان جيداً أنَّ كلَّ غار احتميا به يحملان فيه ذكريات بركات غاري النبي محمد “ص” فيفرحان لأنَّ مثواهما سيكون الجنة.

اترك رد