منبر العراق الحر :
توجعني نظراته القاسية، يرمقني كأنّني مخلوقة ناقصة،
ينظر إليّ بشرر،
بعينين حادتين يطاردني دون كلل،
ألا يتعب مِن الجري؟ لكن لن أكون وجبته السهلة ..
بينما يدور رسمه المُخيف في بالها المشغول، يأتيها مِن وراء ظهرها مُتسللاً على أطراف باردة الخطو،
تنتفض خائفة و تسلم لركض عشوائي بين عجلات عابرة ..
تسمع صوت فرامل قوية ترتعب أكثر:
– يا لهذا السريع العملاق لقد أخافني هو الآخر.
تناجي الخالق:
– يا مَن خلقتني ضعيفة، احمني مِن هذا الكون المُرعب،
أو اجعل نهايتي مثل العجوز التي ربّتني و عطفت عليّ مثل أمّي.
تتذكر كيف غُسِلت العجوز بماء مُطيّب و لُفّت بغطاء أبيض
ثمّ وضعت في صندوق خشبي، رُفعت على عشرات الأيادي .. أخذها بعضُ ناس مُرددين: – لا إله إلاّ الله.
يتابع شوقها: بعدها لمْ أرها، متأكدة أنّها في أمان بعد هذا العز، كانت يومئذ مثل ملكة مِن ملوك الجان كما حكت العجوز لجارتها عن غِنى عالمهم البديع.
تتخيل بنشوة كيف كانت تَسقيها الحليب اللذيذ بزجاجة لها حلمة طرية،
تتذكر والدتها ثمّ فجأة تعود ذاكرتها إلى يوم أسود شاهدتها تموت تحت دواليب مركبة مُسرعة، كيف صرخت في لَوعة و لمْ يعرها أحد المخلوقات اهتماماً،
كيف دفعها أحدهم بنعل قدم طويلة ليبعدها عن طريق كائنات قوية تتنقل و تسير دون هُدى ..
ندى يشوش رؤيتها، تُطرق في عين أرض جامدة ثمّ ترفع رأسها لتراه أمام عينيها بلحمه الكثير و لونه الأشقر و أنفاس مسموعة، ينظر دواخل عينيها الزيتونيتين في مُحاولة حوار سلمي فتركض بلا رشاد من جديد ..
– يا لها من أنثى غبية، لماذا تُعاملني بهذه الطريقة؟ أنا أُحبّها، تمنّعها و كبريائها يزيداني تعلّقاً ..
تتعب مِن الركض،
تقف برهة تحت ظلّ شجيرة في حديقة كبيرة، تتمدد بغنج و دلال فوق العشب، تحت أشعة شمس خريفية الطلعة تتسلل أصابعها بخفة مِن بين أغصان مُتقاربة، لتبعث لمعة هادئة في سطوح المرج وبعض دفء في أوصالها المُرتجفة ..
تنظر إلى روعة المشهد: – يا ليت كُنت نباتية لآكل كلّ هذا العشب المُمتد على طول النظر، مثل المخلوق السمين صاحب الصوف الأبيض.
تتراجع أمنيتها خطوات إلى الوراء عندما تتخيل اللحام صاحب السكين المخيفة كيف ذبح مخلوقاً يشبهه.
– لماذا عامله المخلوق الضخم بقسوة في ذاك اليوم، ترى لأنه يقضي على العشب؟
تنفض رأسها برعب: – لا أرغب بأكل نباتات الأرض السخيفة، مُتأكدة طعمها مُقزز.
بعد ساعة حائرة لا تدري هلْ تبقى لتستوطن حضن هذا المكان البديع أمْ تهاجر إلى ملاذ بعيد عن المخلوقات التي ترعبها فيطرق باب خيالها المطارد الذي لا يعرف التعب ..
– لا أرغب في رؤيته أمام عينيّ، المُتغطرس لا يكف عن مضايقتي، لماذا لا يتركني أعيش بسلام؟
سأذهب إلى مكان لا يجدني فيه، لو أعرف أين ذهبت العجوز كي ألجأ إليها، وحدها قادرة على حمايتي مِن غرابة هذا العالم الكبير.
تشعر بعراك شديد داخل أحشاء فارغة فتعرف السبب: – هو الجوع الحقير بدأ يؤلم معدتي، منذ يومين لم أتناول شيئاً يُذكَر.
تسير ببطء باحثة بين أعشاب الأرض عن شيء يرد عنها الصراع العنيف، لا تجد شيئاً، و تصادف عامل قمامة بيده كيس مُتخمة برائحة تجذبها بجنون، تقترب منه مُستعطفة فيتجاهلها مثل بقية الأشخاص الذين يعبرون دون اكتراث لمعاناتها ..
تسير بخطوات بليدة نحو مصير مرسوم، بَعد ساعات موجِعة ينهار جسدها النحيل في حضرة غياب الرحمة مِن صدور متحجرة الضلوع قليلة العطاء، تنطوي على جسم رقيق كي لا تشعر بالجوع اللئيم، ترقد بلا حول و لا رغبة، يُرسل الخالق لها فتى في العاشرة مِن عمره تقريباً، يحملها برفق فتبتسم في وجهه الأسمر الناعم و تقول شاكرة:- مياو.
تغفو بأمان بين يديه الصغيرتين لتصحو على ملامسته وبرها الأبيض المُنقط ببقع سوداء لامعة،
ترى أمامها قطعة (مرتديلا) كبيرة تكفيها مدة يومين، تأكل بشهية و صمت، تتفحص ملامحه بهدوء و هي تدعو بداخلها لهذا المخلوق اللطيف الذي شعر بحاجتها للعون ثمّ تسمع صراخاً فظيعاً مِن وراءها فترتجف أوصالها، أمّه كما بدا غاضبة: – هل جلبتها مِن بين القمامة؟ كمْ هي وسخة؟ ستنقل لنا ألف مرض.
تدفعها بقدم طويلة سمينة تجاه الباب الخارجي، يستوقفها مُترجياً: – سآخذها إلى الطبيب البيطري يا أمّي ليعطيها اللقاح اللازم مثل جيراننا، لن تؤذي بعدها صدقيني.
يسكت ثمّ يردف مُستعطفاً: – انظري إلى عينيها كم هي ودودة و حلوة.
– سيتسخ أثاث البيت و أنا أشمئز مِن رائحة الحيوانات.
يبكي بحرقة و هو يُغلق بصيص الأمل في وجهها الناعم ..
مُتأسفة على حالها: – أنا وسخة؟ كلّ يوم ألعق وبري ساعات طويلة حتى طرف ذيلي أبيض مِن وجهها الملوّن.
يائسة تتابع سير قدرها: – لكن لا أمل بوجبة ثانية في حضن هذا المكان الهادئ.
بقناعة: – حين أجوع ثانية سأجد ما أسد فيه فراغ بطن لا تشبع.
تنظر إلى باب خشبي مزخرف ارتاحت خلفه لحظات هانئة من العناء: – شكراً أيّها الصغير على كلّ شيء.
تمشي حائرة في اتجاهات مختلفة و يشدّها الحنين إلى المكان الذي ترعرعت فيه ..
ترى نفسها راغبة تسحبها دون شعور، نحو رائحة الأيام الغابرة ربّما تحظى برؤية العجوز العطوفة أو إخوتها الذين سرقتهم الأيام ..
– سأعرف أخي من الشامة الكبيرة بين عينيه و أختي مِن بؤبؤي عينيها، أذكر لها عين زرقاء و الثانية خضراء، رائحة الدم أيضاً الأخوة لا يضيع أحدهم عن الآخر كمَا أخبرتني أمّي قبل رحيلها.
بعد تشرد يومين، تشدّها حجرة كبيرة مِن غرف طعام مفتوحة منتشرة في هذا الحي الشعبي المُتخم بالهموم و الخلق ..
– عودتني العجوز على طعامها الطيب لكن الجوع قاتل.
تشمّ بعمق: – رائحة رائعة تنعش الفؤاد.
تقفز إلى طرف الحاوية دون تردد لترى بقايا لحم دجاج تناديها بإغراء، ترمي جسدها على الفور فوق الأكوام لتأكل
بكلّ ما فيها مِن شهيّة فتأتي سيارة كبيرة تقلبها و تبتلعها دفعة واحدة ..
تجد في الداخل طعاماً كثيراً يكفيها إلى الأبد، تنغلق فتحة الضوء، يغدو المكان بارداً مُعتماً.
– لن يزعجني البشع السمين هُنا و هذه الخيرات تكفي إلى ما شاء الله.
تأكل حتى التخمة، تحاول النوم بأمان فوق الأكوام الزاخرة بالمأكولات، تستيقظ على أكياس كبيرة تُرمى فوق جسدها مثل زخ المطر فيطرق رأسها بقايا مرآة مكسورة ..
يُغشى عليها لتصحو بعد حين على لهب نار قوية تحيط مِن جميع الجهات، تركض هاربة مذعورة مِن المكان الغريب ..
يحترق طرف ذيلها الأبيض الطويل، تصرخ و لا أحد حولها يعيرها اهتمامه، بلحظة يمسح وبرها الذي تآكل بعضه بفعل وهج نار جشعة غبية، لا تميز بين الأحياء و الجماد ..
تفكر بقوّة و حزم مما لاقت من شدة: – سأعود إلى وطني الذي عشت فيه، إذا طاردني ذاك الحقير سأنقضّ عليه، سأُجرّحه بمخالبي التي أراها تطول هذه الأيام، بحزم – : الحل الوحيد أن أواجهه وجهاً لوجه، بعد الآن لن أتهاون مع أحد، لن أسمح لمخلوق بسرقة موطني منّي لأهرب مثل فأرة تافهة، سأُعلّم مَن يقترب منّي درساً في الأدب لن ينساه.
تمشي و تخطط مُدبرة أشد أنواع الانتقام لمن سيقف حجر عثرة في دربها ..
على الطريق الطويلة، تتذكر طعم فأرة رمادية أحضرتها أمّها حين فطمتها عن الحليب كي تعلمها فن الصيد.
– أين اختفت الفئران اللذيذة التي كانت تجلبها أمّي بمهارة؟ عناية العجوز أنستني تلك الأمور.
تحلم راغبة: – يا ليت أعيش وسط مملكة كبيرة مليئة بجرذان سمينة، آكل ما أرغب و أطارد البقية بمرح حين أشتهي اللعب.
تتخيل كيف يرعبها القط السمين، تشعر بقشعريرة فتغير محطة تفكيرها: – لا أرغب أن أكون عدوانية، أفكر بطعام جاهز يشبه الذي كنت أتناوله أو كتلك القطعة الحمراء المستديرة التي أطعمني إياها الصغير التي تشبه القرص الكبير الذي يلمع في الأفق البعيد قبل أن يهجم السواد المخيف.
بعد تعب ثلاثة أيام، تقف بفرح كبير على رصيف دمشقي عريض لشارع طويل مُحاط بأشجار ترفع أغصانها بشموخ كبرياء، تهز ذيلها المحروق بنصر، تسحب أنفاسها بعمق لتشم رائحة الوطن الجميل:
– ما أجمل العودة إلى الوطن.
تُطرق في عين الأرض بحزن: – ماذا سأفعل إذا كان باب بيت العجوز ما زال مسدوداً؟ يا ليت أستطيع الطيران مثل الأسراب الحلوة التي تشدني إلى السماء، لطرت
و نزلت أرض ديارها و جلست في مكاني المُفضل جوار قدميها.
قبل ولوجها (بوف) انفجار قوي يُرعبها بصوته المُزعج،
يهز أوصالها فتركض فزعة، تقطع الشارع و تختبئ للحظات وراء جدار إسمنتي عال.
على بُعد تراقب أوضاع الحي الجميل بحذر، تأتي سيارات إطفاء و إسعاف لتزيد توتر أعصابها.
– لا أعرف سبب هذا الضجيج المجنون؟ مطاردة القط السمين أهون مما يحصل.
عند تذكره تراه يتمشى أمامها بلحمه الوفير ووبره الأشقر الذي بدا وسخاً هذه المرّة على غير العادة، تشدّ عزمها و تستعد لقتال شرس: – لن أرحمه هذه المرّة.
يمشي ببرود عجيب:
– لقد خاف منّي كمَا يبدو لأنّني تحديته بصمودي، كم كنت غبية حين كنت أهرب مثل فأرة جبانة.
يقع تحت قدميها و يتمدد فوق الأرض، تشاهد سيل دمه النازف فتتذكر أمّها بعد الحادث الأليم، نفس اللون عبر جسدها و ملأ فسحة مِن الأرض، صاحب الصوف أيضاً عندما ذبحه الجزّار، الفأرة لها لون السائل الأحمر ذاته أيضاً:
– لماذا علمتني أمّي التقاط الفئران؟
لا أريد أكل الفئران بعد اليوم.
تنتبه لصوت آلامه. تستغرب ما صار عليه. تجلس قربه تراقبه يحتضر دون أن تعرف حقيقة الأمر، تدخل رُبا عينيه اللتين بدتا أصغر بكثير عن ذي قبل، تلج سهول حب وحنان فياضة ..
شيء آخر مُجسّد أمام ناظريها يختلف كثيراً عمّا رسمته مخيلتها الضعيفة، تلعق جبينه بلغة عشقها،
يبتسم بود كبير و الحسرة تأكله.
تدعوه إلى نُزهة رومانسية في الحديقة القريبة على طريق المطار ليكون رفيقَ مشوار حياتها منذ اللحظة، تدمع عيناه عشقاً، يهمد و يغمض مُجبراً.
لمْ تستطع رؤية شظية عمياء سكنت أحشائه مِن جرّاء الانفجار الضخم الذي دوى
في مكان ولادتها
قبل وصولها بثوان ..
ترمقه يائسة ثمّ تبدأ بلحس وبره المُعفر في مُحاولة لإيقاظه.
تفشل لترتمي جانبه خرقة بالية.
تنظر حولها باستغراب، ترى الطيور التي كانت تطير قبل قليل أشلاء ممزقة في كل مكان ..
تمرّ لحظات جامدة تفطر قلبها المذبوح، و يأتي نحوها رجُل عجوز مُغبّر الثياب، يشحط قدماً نازفة، يحملها بإنسانية قائلاَ: – حتى أنتِ تضررت مِن فعل هذه الحرب الغريبة يا مخلوقة الله؟
لا تفهم قصده بالضبط لكنّها ترتاح لملامحه الطيبة،
تهز ذيلها موافقة ..
تستسلم راغبة مرافقته الدرب،
لعلّ الأيام تضحك مِن جديد ..
تتذكر كيف حملتها العجوز بعد موت أمّها بنفس الروح:
– لا يشبه العجوز التي ربّتني في شيء
إلاّ في لمسات يديه المفعمة بالطيب.
بين يديه تشمّ عبق ذكرى الماضي، فتلعق أصابع يديه الخشنة، شاكرة ودّه.
يُتمتم كلمات لا تستوعبها جيداً
و هو يعرج بمشيته البطيئة ..
بعد مسافة أمتار لا يطاوعها قلبها أنْ تترك القط السمين بارداً وحيداً بين التراب لتنعم وحدها بالدفء و الطعام فتقفز إلى سطح الأرض
و تعود إليه راكضة ملهوفة.
..
.. هُدى محمد وجيه الجلاّب ..
منبر العراق الحر منبر العراق الحر