أطلس أبن بطوطة ….نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
يقول أبي في العبارات التي يختزل فيها محطات حياته ، وهي كثيرة : لقد جعلتُ الخبز مسافة السفر بين قدمي وهي تمتد بين علوة الحبوب ودكة باب بيتنا .
سألته مرة: أليس لك غير هذا السفرُ سَفرْ .؟
قال :هناك سفرة بين عام وعام الى مراقد الأئمة . وأخرى أبدية الى السماء .
وأنا أسمع أبي أضحكَ واقول :لهذا يبقى معك الحذاء أكثر من عام .
قال ضاحكا : يبقى اكثر من خمسة اعوام لأنه لا يستهلك الخطوات ، ولكن قلبي من يستهلكها.
ويوم وزعوا علينا في الخامس الابتدائي كتاب الاطلس مع كتاب الجغرافية على أنْ نعيدهُ نهاية العام ، سكنني عشق امكنة السفر وكلما أرى مدينة على الخارطة واتذكر حذاء أبي الذي لم يصل الى امكنة لاتصل اليها الان سوى احذية العيون في نظرات ترتدي الخطوات وتمشي بين اوراق الكتاب الساحر الذي اشتغلت بسببه عامل طين لأربع ايام عند جارنا الذي بنى له غرقة طين جديدة في بيته لأن زوجته تنجب كما القطط ـ حتى أجمع غرامة الكتاب حين أدعي أنهُ سُرقَ مني.
في ثانوية صادفت لأول مرة كتاب رحلة ابن بطوطة في مكتبة المدرسة ، عندها تخيلت أن ابن بطوطة سافر ببغلة وليس بحذاء الى كل هذه المدن وحسدتهُ ومن فرط حسدي قرأت رحلته أربع مرات ، وحين كبرت زرت طنجة اربع مرات ، وكل مرة ازور قبره في المدينة القديمة أربع مرات ، وكتبت عن رحلته كتابا اتمنى طباعته اربع مرات .
وذاته الاطلس الذي دفعت ثمنه أخذته معي الى المدرسة التي تعينت فيها في مناطق الاهوار وقد اعطوني درس الجغرافيا لأدرسه الى تلاميذي ، لأن الدولة لم تعد توزعه مع بداية كل عام .
وهكذا رأى التلاميذ مدن ابن بطوطه وشكل حذاء أبي ، وفسرت لهم أنَ السير في شوارع مدن هذا الاطلس لا يحتاج الى اقدام حافية مثل اقدامهم بل يحتاج الى قدم ترتدي حذاء من الجلد الخالص كي لا تُبلى من مسافات السفر الطويل ، فكان الاطفال ينتظرون بشغف كل عام حذاء ( اللابجين ) الثقيل الذي يوزع في معونة الشتاء فيتخيلون أنهم يرتدونه في التجوال بين مدن الكتاب بعد أن كنت اعيره لكل تلميذ ليلة واحدة ، وحده التلميذ مسعود أدعى المرض ولم يدام يومها وكان الكتاب لديه فعرفت أن المرض حجة وقد لبس حذاء ابن بطوطة المصنوع عند حرفي ماهر من أهل مراكش وسافر مع احلامه التي لا يكفيها يوما واحدا ، لنرى شعاع الفرح في عينيه يوم اعاد الاطلس بعد يومين.
وهكذا في كل مدينة يبحرُ فيها الحذاء حنين ذكريات واجهة محلات باتا في شارع الجمهورية في مدينتي وهي تخط اعلانها العريق : الشوارع بدون احذية باتا لن تصلح للنزهة.
وها انا الآن اتنزه في مدن شوارعها اختام الجوازات والغربة والافتراق عن صباحات السعادة في عيون تلاميذ الصف الخامس الابتدائي في المدرسة الأبرار بقرية أم شعثه يوم يكون درس الجغرافية اول الدروس في جدول الدروس اليومية.
وها هو وجه أبي ، وجه أبن بطوطة ، وجه غلاف الأطلس يجتمعون في دمعة الخاطرة التي يصبغها الشوق الى عالم اجمل ما فيه أن الخبز وبطاقة السفر وقباب المدن المقدسة ومواسم توزيع معونة الشتاء في سلة واحدة……….!

اترك رد