منبر العراق الحر :
علمنا آباؤنا وأجدادنا وأستاذتنا منذ نعومة أظافرنا بأن الأمم والشعوب التي تواجه أخطارا وتحديات وجودية تهدد كيانها برمته في – زمكان ما – فلا أقل وقتئذ من ركن الخلافات الفكرية والمذهبية والسياسية والقومية والعشائرية جانبا والعمل بدلا من ذلك كله على رص الصفوف،وتأليف القلوب،وتوحيد الكلمة،وما زلت أحفظ عن ظهر قلب ومنذ المرحلة المتوسطة أبياتا للشاعر والاديب الطغرائي تدعو الى التكاتف وقت الملمات،وبما تعضده شواهد لا تعد ولا تحصى في الشريعة الغراء، علاوة على أقوال الحكماء ومواعظ العلماء ، وكلها تحث على الوحدة ونبذ الخلافات والابتعاد عن المهاترات و الجدالات والخصومات،ولا سيما حين تطل برأسها الفتن الهوجاء، ويوم تعم الفوضى ويتجبر الذيول والأذناب والامعات ،يوم يتحكم سقط المتاع والفاسدون والسفهاء بمصائر الكبار والصغار على سواء ، يوم يستشري الغلاء والبلاء والوباء و”الغباء” ولا عزاء يقول الطغرائي فيها :
كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى… خطب ولا تتفرقوا أفراداً
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً…وإذا افترقن تكسرت آحاداً
إلا أن ما يحدث في العالم العربي عامة ، والعراق خاصة ، هذا العالم المحاط بالمخاطر من كل حدب وصوب إحاطة السوار بالمعصم ،بعد أن أصبح هدفا لكل طامع وبينما يُقتَلُ أهلنا في كل من فلسطين واليمن وليبيا وسورية ولبنان والسودان ويواجهون أمراضا وإبادات وهجرات قسرية جماعية تحت تهديد السلاح ، وإذا بردود الأفعال تأتي لتتناقض كليا مع كل ما تقدم وقد تركت صفحات ومواقع ومنصات الكترونية ، عربية وعراقية يتجادل طرفاها من السنة والشيعة في مسألة “مفاخذة الرضيعة” و”إرضاع الكبير”وكل واحد منهما يحاول الانتصار لرأيه ولكن بأحط الأساليب ، وأوهن الحجج في وقت يكيل فيه الشتائم وبأقذع الالفاظ للآخر لينتقص منه ومن رموزه من السابقين واللاحقين على رؤوس الأشهاد، ذاهلين كليا عن آليات وتكتيكات واستراتيجيات مواجهة الكيان الصهيوني الشرير المتربص بالجميع من دون استثناء وكأنك بهذه الصفحات التي يديرها مجهولون بأسماء فضفاضة وهمية وهي تدار فعليا وبالمباشر من قبل الوحدة الصهيونية الالكترونية “8200” وهي ذاتها التي اخترقت أجهزة البيجر والووكي توكي وفجرتها بحامليها عن بعد ، كل ذلك بهدف صرف أنظار الجماهير عن البؤس والفاقة والبطالة والاستبداد فضلا على صراع الوجود و نزاع الحدود مع العدو الصهيو أمريكي اللدود ، وأقول للجميع “لقد فخَّذَ الكيان الصهيوني اللقيط بمساعدة أم – الشر- ريكا دولنا بأسرها إلا ما رحم ربك من المحيط الى الخليج ، فيما أرضعت سادتها وكبراءها من حليب التطبيع والتركيع والتطويع، بالتزامن مع انتهاج سياسة إفقار الشعوب المتعمد المشفوع بالتجويع والتدجين والقهر والتخنيع، فعن أي تفخيذ للرضع تتحدثون،وفي أي ارضاع للكبار تتجادلون ياقوم ؟!
الكيان الصهيوني اللقيط يرضع مقاتلاته الحربية أمريكية الصنع جوا ليصل مداها الى كل من اليمن وليبيا والعراق بينما نتحدث نحن عن إرضاع الكبير ..الكيان الصهيوني المسخ يتحرك على مدار الساعة لتشكيل منظومات وتأسيس منظمات لجمع الأموال والتجنيد والتنصت والتآمر والخديعة ، ونحن نتحدث عن مفاخذة الرضيعة ..فأي هراء ، وأي بلاء هذا يا بشر ؟! الكيان الصهيوني يطلق ويستأجر الاقمار الاصطناعية المتطورة ، ويبتكر مختلف البرامج التجسسية لاختراقنا ، والتجسس علينا ، واجهاض كل مخططاتنا، والكشف عن جميع خطواتنا، بينما نلجأ نحن الى “أبو علي الشيباني” و” ليلى عبد اللطيف” وميشال حايك، وجاكلين عقيقي، ليقرأوا لنا الحظ والطالع، ويكشفوا لنا عن أسرار المستقبل المائع ، وعلى علماء الأمة فضلا على مفكريها ومثقفيها وأكاديمييها وأعلامها ودعاتها وتربوييها الأعلام إرشاد وتوجيه الخواص والعوام بالكف الفوري عن تبادل الطعن والتشكيك والتشويه وتبادل الاتهام وبخلافه فما هو الفرق بيننا وبين المفترسات في الغابات التي تفتك بمخالبها و أنيابها الحادة بأبناء جلدتها وفلذات أكبادها علاوة على الفتك بالمجترات والأنعام ؟!
ودعوني في السطور الآتية أحيل المتجادلين جميعا وجلهم يحمل عقلية دوغمائية تعسفية جزمية اقصائية ترفض التخلي عن قناعاتها السابقة وإن كانت خاطئة ومجانية للصواب كليا، الكل يأبى الانصات للآخر مهما ساق له من أدلة عقلية ونقلية معتبرة ، ودعوني أسعف ذاكرة هؤلاء وبينهم مثقفون وإعلاميون وناشطون ومعممون وأذكرهم بما تناهى الى أسماعنا في الآونة الأخيرة من وجود خطة صهيونية دعائية خبيثة لتغيير الموقف الدولي تجاه دويلة الاحتلال البغيض بعد أن شاهد العالم بأسره حجم الإجرام والقتل والتجويع والتشريد والحصار والدمار الذي تمارسه في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان، خطة سبق وأن اقترحها ومن خلال صحيفة”يديعوت أحرونوت”المستشار الاستراتيجي للاتصالات في شركة “Farr Levin Communications” المدعو مامي فار، وملخصها بحسب الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة،و قد غرد على منصة أكس (تويتر سابقا) بهذا الشأن هي الآتي “توظيف أفضل العقول في مجالات العلاقات العامة وشبكات التواصل والإعلان والمجال الرقمي وكتابة السيناريو اضافة الى مصممي الجرافيك ومحرري الفيديو للقيام بنشاط رقمي واسع النطاق ومُعزّز يشمل شبكات الانترنت والإذاعات والتلفزيونات واللوحات الإعلانية ووسائل الإعلام المطبوعة مع افتتاح أماكن للفنانين والمسرحيين لجذب الجماهير،وذلك لتحسين صورة الكيان لأن -العقل اليهودي سيصنع فيها أحكاما ومعجزات- على حد وصفه.
لقد حاولت الآلة الاعلامية الصهيونية ومن ورائها الامريكية والأوربية الضخمة جاهدة تصوير الأحداث بمعزل عن سياقها التاريخي ، وتسويقها على أنها قد بدأت في السابع من اكتوبر 2023 وبالتالي فإن من حق الصهاينة الرد بقسوة والعمل على إطلاق سراح الرهائن والثأر ممن باغتهم وهاجمهم وأسرهم في عقر دارهم متناسين تماما كم المذابح التي اقترفها الصهاينة عبر عقود طويلة .
وأذكر الجميع بأن حملة التشويه والتعتيم الإعلامي قائمة على قدم وساق منذ أن قام الفلسطينيون بثورتهم الكبرى بين عامي 1936- 1939 ضد الانتداب البريطاني،وضد الهجرات الصهيونية المتعاقبة من الدول الاوربية، رفضا لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين،واحتجاجا على اقصاء العرب،وتهجيرهم ، وتهميشهم،فضلا على مصادرة أملاكهم وأراضيهم ووقفياتهم وتجويعهم وحصارهم تماما كما حدث في “طوفان الاقصى”في أكتوبر /2023 ولنفس الأسباب السابقة، فالثورة الفلسطينية الكبرى التي تمر ذكراها السنوية في الثلث الأخير من شهر نيسان من كل عام امتدادا لسلسلة من الثورات المماثلة بين (1920-1948) وأبرزها ثورات 1920-1929-1935 بحسب مركز الدراسات فلسطينية، قد بدأت بإضراب عام بمدينة يافا في 19 نيسان/ 1936 قبل أن يتمدد ليعم أرجاء الأراضي الفلسطينية ومن ثمرات الثورة أنذاك تأسيس (اللجنة العربية العليا) ووضع قائمة بالمطالب الفلسطينية وفقا لمذكرات شيخ المناضلين الفلسطينيين (بهجت أبو غربية) بـ 2000 صفحة، اضافة الى “تحرير” البلدة القديمة من البريطانيين بين الثالث عشر والعشرين من أيلول/ 1938 ،وفق كتاب ( في خضم النضال العربي الفلسطيني ) الصادر عام 1992.
ومنذ اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى وحتى كتابة السطور والكل يسأل عن دور المنظمات الماسونية العالمية في دعم الكيان اللقيط منذ نشأته في قلب الأمتين العربية والاسلامية والى يومنا هذا وعن سر هذا الغزل والدعم اللامتناهي واللا محدود وعلى الصعد كافة أمريكيا وأوربيا ؟!
الأعجب من ذلك هو أن أمريكا التي أمدت الكيان المسخ بمئات الشحنات من الأسلحة المختلفة والذخائر المحرمة دوليا منذ السابع من أكتوبر قد تحركت على حين غرة وبعد شهور طويلة من القتل والتدمير والحصار والترويع الصهيوني الغاشم ومن باب ذر الرماد في العيون لتلعب دور الأخ الأكبر الحنون لمساعدة الجياع والمحاصرين بزعمها، ولوقف الضرب والضرب المضاد على حد وصفها ، إلا أنها وحتى في مسرحياتها الكوميدية الخائبة تلك وهي التي لم تترك قرارا يدين الكيان اللقيط إلا ورفعت بوجهه الفيتو لاجهاضه ، قد فشلت فشلا ذريعا حيث تسببت المساعدات الجوية الهزيلة التي اسقطتها من الجو وبكل رعونة فوق منازل المواطنين بدلا من الاماكن الخالية المفتوحة باستشهاد وإصابة عشرات الفلسطينيين بعد فشل المظلات في ايصال المساعدات الى الارض بدون مشاكل تذكر، مع سكوتها المطبق على استهداف الصهاينة لعشرات الفلسطينيين المحاصرين من منتظري المساعدات الانسانية في مناطق مختلفة وبالتزامن مع توقف مئات الشاحنات المحملة بالمساعدات وعدم السماح لها بالمرور عبر معبر رفح،فيما غرق الميناء الأمريكي الهزلي المؤقت العائم مع أول مد بحري ما دفع الادارة الامريكية الى سحبه وإلغائه، أما عن الهدف من وراء ذلك كله فهو تفعيل اتفاقات ابراهام ، وتطبيق بنود خطة مشؤومة هدفها تهجير سكان غزة بحرا الى قبرص أو التهجير برا الى سيناء عبر معبر رفح الحدودي مع مصر، كذلك السيطرة على محور نتساريم وفيلادلفيا زيادة على معبري رفح ، وكرم أبو سالم ، اضافة الى قضم الشريط الحدودي المحاذي للبنان والعمل على ترسيم الحدود بينهما وبما يضمن ضم نهر الليطاني ومزارع شبعا وتلال كفر شوبا وقرية الغجر واحتكار مياه جبل الشيخ ، في ذات الوقت الذي يسعى فيه الكيان الفاشي الارهابي اللقيط الى تهويد القدس وهدم الاقصى المبارك واطلاق اليد لبناء المزيد والمزيد من المستوطنات في الضفة الغربية بهدف تفتيت الضفة وطمس معالمها وتهجير سكانها وتقطيع أوصالها إربا إربا تمهيدا لابتلاعها مستقبلا بالكامل بكل ما عليها من معالم وآثار ومقدسات،كل ذلك على حساب ما يسمى بـ حل الدولتين الوهمي الذي يفترض قيام دولة فلسطينية مزعومة مكتوبة على صفحات اتفاقات أوسلو فقط لاغير،وبين دفتي سجلات الأمم المتحدة فحسب !!
وتأسيسا على كل ما تقدم وبما هو غني عن البيان فلابد من تكثيف الإسناد المعنوي والإعلامي المشفوع بالدعم اللوجستي العاجل المتمثل بـ تدفق إمدادات الطاقة والمعلومات والتموين والموارد البشرية والطواقم الصحية اضافة الى التجهيزات الخدمية والمعدات الطبية والخيام والملابس والفرش والأغطية وكل ما من شأنه خدمة النازحين والمهجرين وإسنادهم ماديا ومعنويا وعلى كافة الجبهات في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان ، ولا سيما في هذه الفترة العصيبة التي تتطلب تظافرا غير مسبوق للجهود الحثيثة وتناسيا للخلافات والاختلافات ماضيها وحاضرها وعلى مختلف الصعد ، فكفاكم شماتة و خصاما وتفرقا وتشرذما وجدالا يا قوم، عن جيوش الدول العربية وعددها 22 دولة، كذلك الدول الإسلامية وعددها 57 دولة ..عن الجامعة العربية ..عن منظمة التعاون الإسلامي ..عن الدول الصديقة والشقيقة،لن أسأل قطعا لأنه سؤال عائم وحائر يعلم الجميع إجابته ولا طائل من طرحه ولا بتضييع الوقت والعمر بطرحه البتة وقد صار معلوما للقاصي والداني منذ السابع من أكتوبر بأن الشعوب المحاصرة والمظلومة هي التي تقاوم الكيان اللقيط بدلا من جيوش بلدانها الجرارة التي وعلى ما يبدو بأنها باتت تخشى الحرب في أجواء البرد القارس شتاء،أسوة بالخشية من قيظ الصيف شديد الحرارة ، وربما بانتظار الإشارة أو الوقوف عند تعليمات وتحذيرات السفارة ويا خسارة !
وما أروع ما قاله الشاعر”مسكين الدارمي”عن فضل التآلف والتعاضد والأخوة وبالأخص في أوقات الحروب والفتن والكروب بمواجهة أعداء الأمة والإنسانية جمعاء :
أَخاكَ أَخاكَ إِنَّ من لا أَخاً لَه…كساعٍ الى الهيجا بغير سلاحِ
وإِن ابن عم المرء فاعلم جناحُه…وَهَل ينهضُ البازي بغير جناح
أودعناكم أغاتي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر