منبر العراق الحر :
يمر العراق اليوم بمرحلة حساسة من النزاع السياسي الذي يتركز حول قرار المحكمة الاتحادية العليا بإيقاف تنفيذ قانون العفو العام بأمر ولائي. وقد تسبب هذا القرار في انقسام حاد بين القوى السياسية، حيث يراه البعض إجراءً ضرورياً لمنع الإفراج عن إرهابيين مدانين، بينما تعتبره أطراف أخرى تعدياً على إرادة الشعب ومؤسساته المنتخبة. تصاعدت وتيرة الهجوم على المحكمة ورئيسها القاضي جاسم محمد العميري، في ظل تهديدات بالتصعيد الشعبي والسياسي، مما يجعل هذا الملف اختباراً حقيقياً لاستقرار النظام السياسي العراقي ومستقبل التوازنات بين السلطات.
*السياق السياسي والقانوني للصراع*
1. الخلاف حول قانون العفو العام: ينقسم الموقف السياسي حول قانون العفو العام إلى تيارين رئيسيين:
التيار المؤيد للقانون: بقيادة حزب “تقدم” وزعيمه محمد الحلبوسي، والذي يرى في القانون وسيلة لإنصاف آلاف المحكومين، ويعتبر إيقافه استهدافاً سياسياً وإقصاءً لإرادة ناخبيه.
التيار المعارض للقانون: بقيادة قوى شيعية أبرزها “حقوق”، بالإضافة إلى بعض الخبراء القانونيين الذين يحذرون من أن القانون بصيغته الحالية يحتوي على ثغرات تتيح إطلاق سراح إرهابيين ومجرمين دون قيود كافية.
2. الدور القانوني للمحكمة الاتحادية: المحكمة الاتحادية استندت في قرارها إلى الطعون المقدمة ضد طريقة التصويت على القانون (السلة الواحدة)، معتبرة أن ذلك يمثل خرقاً للدستور.
قرار المحكمة لم يُلغِ القانون نهائياً، لكنه أوقف تنفيذه مؤقتاً لحين البت النهائي، مما يعكس نهجاً حذراً لتجنب أزمة دستورية مباشرة.
*تداعيات القرار على التوازنات السياسية*
1. تصعيد سياسي وشعبي: أطلق محمد الحلبوسي تهديدات مباشرة بمواجهة القرار بجميع الوسائل القانونية والشعبية، مع دعوات لمظاهرات واسعة ومقاطعة المؤسسات الحكومية.
تصعيد غير مسبوق ضد رئيس المحكمة الاتحادية العليا القاضي جاسم العميري، واتهامات بأنه يتجاوز صلاحياته ويتدخل في اختصاصات البرلمان.
2. انقسامات داخلية وتأثيرات على المشهد الانتخابي
القرار يكرّس الاستقطاب بين القوى السنية، حيث تتباين مواقف “تقدم” و”عزم”، مما قد يؤثر على تحالفاتهما المستقبلية.
في الجانب الشيعي، يعزز القرار من نفوذ القوى الرافضة للعفو العام، مثل “الإطار التنسيقي”، التي ترى في المحكمة الاتحادية حصناً يحمي المسار السياسي القائم.
3. احتمالية انفجار أزمة أمنية
تصاعد الخطاب السياسي قد يترجم إلى احتجاجات شعبية، كما حصل في نينوى التي أعلنت تعطيل الدوام الرسمي.
الوقف السني في الفلوجة يدعو إلى خطب موحدة ضد قرار المحكمة، مما قد يزيد من حدة الاستقطاب المجتمعي.
تحذيرات من أن بعض الشخصيات السياسية في الأنبار تستغل القضية لزعزعة الأمن، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة.
الاحتجاجات التي دعت لها إدارات المحافظات وشخصيات سياسية ضد المحكمة الاتحادية العليا تُعد سابقة خطيرة في المشهد السياسي العراقي، لأنها تمثل تحدياً مباشراً لسلطة المؤسسة القضائية العليا التي من المفترض أن تكون مستقلة عن الضغوط السياسية والشعبية. المحكمة الاتحادية هي الجهة المختصة بتفسير الدستور والفصل في النزاعات القانونية، والطعن في قراراتها بهذه الطريقة يفتح الباب أمام تسييس القضاء، مما قد يؤدي إلى إضعاف هيبته وفقدان ثقة المواطنين في النظام
*الخلاصة*
يمثل الجدل حول قانون العفو العام اختبارًا مفصليًا لصلابة النظام السياسي العراقي وقدرته على احتواء الأزمات دون الانجرار إلى فوضى دستورية. في ظل تصاعد الضغوط على المحكمة الاتحادية، يواجه القضاء تحديًا مصيريًا للحفاظ على استقلاليته أمام محاولات التأثير السياسي والشارعي. إن التشكيك المستمر في قرارات القضاء ورفض الامتثال لها قد يرسّخ سابقة خطيرة تهدد بنية الدولة، وتفتح الباب أمام قوى تسعى لفرض إرادتها خارج الأطر الدستورية. يبقى الحل في ترسيخ ثقافة الاحتكام إلى القانون واحترام المؤسسات، بعيدًا عن استغلال الشارع كأداة ضغط، حفاظًا على هيبة الدولة واستقرارها على المدى البعيد.
كاتب سياسي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر