منبر العراق الحر :….الى صديقي أيمن الغزالي….
ذات ذكرى سفر وانا أنفذ تفاصيل مشروع أدبي بكتابة 3 مؤلفاتٍ في أدب الرحلات لعام واحد ، وفي تلك الذكرى كنت امتلك الفرح الغريب إنني سأطير من سمرــ قند مباشرة الى دمشق عبر ترانزيت ثلاثة ساعات في مطار كمال اتاتورك في اسطنبول ، وقد عرفت دمشق أول مرة من خلال اداء دريد لحام ، وانا اسجل تفاصيل المتعة في الجلوس امام التلفزيون الاسود والابيض في بيت جارنا ، حيث يعيش جميع من يجلس متعة الضحك على مقالب غوار الطوشة التي يفعلها بصديقه حسني البرزان ، وكان انتظارنا للمسلسلات السورية في ذلك الوقت قائم فقط على ما يقدمه لنا دريد لحام وفريقة المتكون من حسني البرزان وأبي عنتر وفطوم حيص بيص وصباح جزائري . لكن هذا المسلسل شكل البدايات الاولى لتخيل تلكَ المدينة ومعمارها في مخيلتي الطفولية ،وفي الصبا تطور المخيال ليقترب وجه دمشق اكثر من اجفاني ولتنزرع اول زهور الاماني بزيارتها واعيش بهجة تخيل خطواتي تمشي في تلك الشواغير والحارات العتيقة لواحدة من اقدم مدن التأريخ ، وحين سألت المعلم في السادس الابتدائي :كيف الوصول اليها وانا لا املك جواز سفر ، قال مبتسما :في تلك الحالة حتى تجلب المدن البعيدة اليك ، اما أن تتخيلها أو تقرأ عنها .
قلت : اتمنى ان اتخيلها وانا اقرأ عنها.
قال :لاني اتنبأ أن تكون لك نباهة وموهبة في الكتابة من خلال انشائك الجميل سأعطيك اول طريق لهذا المخيال ، وعليك أن تكمله وحدك . ومتى كبرت وصرت بما تتمناه وقبضت معاشا بأمكانك ان تحصل على جواز سفر وترى دمشق وما هو ابعد منها .
وحين سألته :وهل زرت دمشق يا استاذ؟
ابتسم وقال :زرتها مع اول معاش قبضته .
ــ وهل شاهدت غوار الطوشي ؟
قال :دمشق يا بني أكبر من غوار ، وفي خزانة المكتبة المدرسية اجزاء لكتاب اسمه رحلة بن بطوطة . خذ الجزء الذي يتحدث عن دمشق واقرأ لتبدأ اولى خطوات السفر الى دمشق .
ومع اول هاجس في سحر وصف الرحالة لمشاعره مع دمشق وهو يراها اول مرة ،شعرت اني اراها جيدا معه ،وشعرت ان المدن الاسطورية هي ما تتمناه ارواحنا وليس خطواتنا او اجفاننا . وها انا اسرح مع اول وصف اقراه عن دمشق ويقربني اليها عندما شعرت ان الرحالة الطنجي يقربها من روحه قبل أن يقربها من عينيه ،حتى لتشعر انه يتمنى ان تكون ولادته فيها ، فقد قال ابن بطوطة بعد خروجه من بعلبك :
(( ولفرط اشتياقي إلى دمشق وصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين إلى مدينة دمشق الشام، فنزلت منها بمدرسة المالكية المعروفة بالشرابشية، ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسناً وتتقدمها جمالاً، وكل وصف ، وإن طال ، فهو قاصر عن محاسنها. ))
لحظة قرأءة هذا الوصف كما مشاهد سينمائية شعرت ولأول مرة أن في اللغة هناك شيئا اسمه البلاغة وبالرغم من أنني لا اعرف هذا المصطلح بالمسمى ( البلاغة ) لكنني شعرت به وأدركت قول معلمي أن الوصف والمخيال الذي تجده مكتوبا في القراطيس هو البديل عن جواز السفر ، وكان وصفه بتلك العبارة التي اتذكرها الى اليوم : انها السينما على الورق . وعندما تكون صبيا ولا يحق لك السفر بسبب المال او سنوات عمرك . فأن التخيل هو البديل ،ودمشق تظهر لك كامل سحرها عندما تتخيلها ، ولأول شعرت أن دمشق قريبة اكثر من تلك المفردة المكتوبة في خرائط كتاب الأطلس والتي كنا لانراها سوى في مسلسلات دريد لحام ، وادركت ايضا أن الرحالة بن بطوطة كان اكثر تأثيرا من المسلسلات الشامية في جلب دمشق الى لحظة التمتع في سياحتها ، وادركت ايضا إن القادمات من الزمن ستأتي بدمشق اليَّ وستكون خطواتي على ارصفة شوارعها عناوين قصائدي اليها كثيرة وساحرة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر