منبر العراق الحر :
ها هوَ المساءُ يمدُّ ظلالَهُ كوشاحٍ حريري،
يلقيهِ البحرُ فوقَ كتفيهِ المتعبتين
كأنّهُ عاشقٌ عادَ من سفرٍ طويل
الصمتُ لا يُخيفُ هذهِ الليلة
بل يربّتُ على كتفي
ويهمسُ لي أنْ لا شيءَ يدوم
حتى الموجُ حينَ يغضبُ
يعودُ ليغنّي للضوءِ.
لحظةُ الغروبِ كانتْ غريبةً،
كأنَّ الشمسَ لم تغبْ،
بل ذابتْ في المدى
وتركتْ جزءًا منها في
صدري يشعُّ بلا لونٍ.
هناكَ إحساسٌ،
كأنّهُ مجرّةٌ صغيرةٌ
تدورُ داخلَ قلبي
تضيءُ شيئًا كنتُ أظنّهُ انطفأَ.
لماذا أشعرُ أنّني أقتربُ من شيءٍ لا يُرى،
كأنّني أمشي فوقَ سطحِ البحرِ
وألمسُ أطرافَ النجومِ؟
الغروبُ ليسَ نهايةً،
إنّهُ بدايةُ ما لا يُقالُ،
إنّهُ لحظةُ الإدراكِ
أنَّ البحرَ يشبهُني
وأنَّ المساءَ لا يُخيفُني
وأنَّ قلبي فيهِ مكانٌ للمجراتِ.
وفجأةً لم يعدِ البحرُ بعيدًا
ولا المجراتُ عاليةً،
كلُّ شيءٍ صارَ قريبًا،
كأنَّ الكونُ انكمشَ في نبضي
وصارَ قلبي كوكبًا صغيرًا
يدورُ في مدارِ الدهشةِ.
أشعرُ كأنّني نفضتُ عن روحي الغبارَ
وكأنَّ الغروبَ لم يأخذْ شيئًا
بل أعادَ إليَّ ما ظننتُهُ ماتَ.
بدأتُ أنظرُ إلى الظلمةِ لا كعتمةٍ
بل كحبرٍ يكتبُ في حياةٍ أخرى.
عادتِ الأفكارُ خفيفةً
كأشرعةٍ تطفو على سطحِ المساءِ.
حتى الحزنُ صارَ أقلَّ وزنًا،
كأنَّ الغروبَ غسلَهُ بماءِ البحرِ
ونفخَ فيهِ من ضوءِ المجراتِ.
وأنا، أنا تلكَ الشمعةُ
التي أوشكتْ على الانطفاءِ،
ثمّ تذكّرتُ أنَّ
النورَ ليسَ ما فيها فقطْ
بل ما تعكسُهُ في عيونِ الآخرينَ.
ها هوَ قلبي يرتّبُ فوضاهُ
ليصيرَ بيتًا لربيعٍ جديدٍ،
ربيعٍ لا يعرفُ الفصولَ
ولا يخافُ الغروبَ.
الغروبُ ليسَ موتَ الضوءِ
بل نضوجَهُ حينَ أدركتُ
أنَّ المعنى لا يولدُ
من الديمومةِ بل من الرحيلِ.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر