منبر العراق الحر:
لولا فرحة الإياب لعذبت أعدائي بالسفر
الحجاج بن يوسف الثقفي
يوم قرأت هذه العبارة أول مرة عندما كنت معلماً في قرية في مناطق الأهوار، ولم تضف لي هاجساً مختلفاً ما دمت أنا أصلاً أكره قساوة طاغية اسمه الحجاج. ولكنها عادت إلى مخيلة الذكرى يوم ابتعدت عن ذلك الأديم الطيني الذي كانت رائحة السمك النافق في أماسي الشرجي تخنق فينا الرغبة لتمني الأشياء التي ترتدي قمصان العطر وخدود إناث رسائل الحب.
أحسست في المكان البعيد جمالية الإياب في حياتنا، أنه العودة دائماً، وصاحب كتاب (رسائل من طاحونتي) الفونس دوديه يقول: بلا عودة حالمة لن تجد أثراً للطفولة.
ولهذا لأول مرة أستأنس لعبارة والٍ ثقافته سيفه وبلاغة يبرر بها قتل معارضيه لهذا يرهبهُ الإياب، ولهذا امتنع عن ممارسة النفي لغة للترهيب بسبب الإياب.
ولأني هنا أتيت من ذهاب ارتدى موسيقا وكلمات تلك الأرواح الطيبة لجيران مدرستنا من المعدان، أفكر أن تكون هناك فسحة وفرصة لأرجم وجه الحجاج الحاد ببطاقة السفر وأقول له لقد أتيت بذلك الإياب الأزرق مثل شفاه البحر على نهدي امرأة تستحم بنشوة يمازحها رذاذ الموج وشعاع النجوم وشهوة الرمل.
لكننا كما يقول أبي رحمه الله: قد نذهب وقد نجيء. وهذا يعني مع (قد) أن المجيء ليس بالضرورة حتمية للذهاب، فالكثير من أصدقائي ذهبوا ولم تسكن حقائبهم (جية) لمرابع الطفولة وشباب التعيين معلمين في مدارس القصب.
وها هي قبورهم تفترش شواهد الاغتراب ولا يتلقون سوى باقات الورد من أبناء أو أصدقاء أو عابر نسي قبر من يريد أن يزوره ورمى الورد على أقرب قبر يصادفهُ.
نسمة الإياب هناك طافية قرب إغفاءة جاموسة وشخير صاحبها (مهودر شجر) وقد قال لي ذات يوم وهو يهم السفر لزيارة ضريح الإمام الرضا في إيران: ذاهب وعندما يتوقف قلبي هناك، لا أريد لأهلي أن يجلبوني إلى هنا. (الموتة) قرب الإمام (شحلاتها).
هذا يعني أن هذا الإنسان الفطري كان قبلنا من يحمل فكرته الأبدية (قد نذهب وقد لا نجيء).
ويوم سافر مع حملدار من أهل القرنة وكان السفر تهريباً عَبْر هور الحويزة عَبْر الأهواز، وحين تأخر لأكثر من شهرين، قلقت أم أولاده ولكنها لا تعرف ماذا تفعل، ولا تستطيع السفر إلى القرنة لتسأل عنه. فتطوعت أنا بالذهاب إلى القرنة بعد أن عرفت اسم ذلك المتعهد. وحين وجدت الرجل أخبرني أن مهودر شجر توفي في طريق العودة ودفنوه في مدينة على الحدود اسمها (سوسن كرد) لأننا لم نستطع نقله في الطرقات الوعرة.
قلت: ولماذا لم تخبر أهله؟
قال: جئت من أيام وأنتظر تجميع أبناء عمي لأذهب وأخبر أهله، فأنت تعرف أن الأمر يحتاج إلى تدخل عشائري.
عندها تذكرت كلام (مهودر) الذي لم يكمل فرحة الإياب فيه فتعذبَ في الموت الغريب.
في العودة، رأيت زوجته وأبناءها الصغار ينتظروني على حافة الهور. وحين شاهدت بقايا دموع يابسه تحت أجفاني قالت: هل دفنوه قرب ضريح الإمام.
قلت: دفنوه في منتصف الطريق، حتى يؤشر للزائرين التائهين على جهة المسير الصحيحة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر