{كبرياء انثى}….ماريا حنا

منبر العراق الحر :
جئتُكَ…
محمولةً على أجنحةِ الشوق،
كما تُحملُ الرسائلُ إلى أبوابِ المستحيل.
كأنّ البحرَ قد ضاقَ على حنيني،
والأرضَ، مهما اتّسعت،
لم تعد تكفيني دونكَ.
عبرتُ المحيطاتِ
لا لشيء…
إلا لأراك.
كنتُ أعرفُ كلّ شيءٍ عنكَ،
صوتكَ… لهجتُكَ… ضحكتُكَ…
ورعشةَ الحرفِ في رسائلك،
لكنني
كنتُ أبحث عن الحقيقةِ في عينيكَ،
عن نسختكَ الواقفةِ في الضوء،
لا تلكَ النائمةَ خلفَ الشاشة.
وحينَ التقيتُكَ،
ارتجفَ الحبُّ داخلي كطائرٍ مبلّل،
وتسارعَ نبضي،
حتى خلتُ أن صدري
سينفجرُ من شدّةِ الخفق.
رأيتكَ…
فوقفتُ مذهولةً كطفلةٍ
رأت حكايتها تتجسّدُ من الورق.
قلتُ:
ـ هل هذا هو؟
فأجابني الصمت:
ـ نعم، هذا هو…
هو من سكنَ ليلكِ طويلًا.
أردتُ أن أقترب،
أن أهمسَ لك بكلِّ ما صمتُّ عنه شهورًا،
أن أقول:
“أنا هي…”
انظر إليّ جيدًا،
أنا من بكتْ في بريدكَ،
ونامتْ على صوتك،
وكتبتْ اسمك على زجاج الطائرة
حين حلّقتُ نحوك،
كأنني أعرفُ أن الرجوع… موتٌ آخر.
لكن…
“الأنا” صفعتني:
ـ توقفي اصمتي
لاتقتربي اكثر
تذكّري أنكِ خُلقتِ
لكي تُحبي، لا لتُذلي.
اصمتي…
فأنتِ امرأةٌ
لا تركعُ على بابِ أحد.
ساعتها احسست
كم كنتَ بعيدًا…
وأنا أمامكَ تمامًا،
أحدّقُ في عينيك،
لكنّك كنتَ أبعدَ من الحنين،
وأقسى من المسافة.
كأنّ الهواءَ بيننا
تحوّل إلى جدارٍ من صمتٍ وحديد.
كأنّ البُعد
لم يكن في الأقدام،
بل في القلوبِ…
التي لم تعد تتلاقى.
أردتُ أن أصرخ:
“التفت إلي…
أنا هي!”
أنا من نزفتُكَ عشقًا
كلّ مساء،
من خبّأتُ صورتكَ تحت وسادتي،
وارتديتُ اسمك كسوارٍ سرّي،
أنا من جئتُ
من آخرِ الدنيا،
لأراك… فقط لأراك.
لكنني…
بلعتُ الحروف كأنها خنجر،
وترددت،
جبُنتُ كعادتي،
وسألتُ قلبي همسًا:
“ألَم يهمسْ لكَ قلبُكَ أنني هنا؟
ألَم تُحسّ بارتجافةِ قلبي
وهو يراكَ بعد الغياب؟
ألَم يذهب شوقي إليك
ويخبرك أنني هنا؟
انظر جيدًا…
نحن نتنفسُ نفسَ الهواء،
نقفُ على نفسِ الرصيف،
ونحملُ في جيوبنا ذاتَ الذكرى…
فلماذا لا ترى؟
لماذا لا تذكر؟”
لكن صرختي
اختنقتْ في منتصفِ صدري،
وعيناي هربتا من عينيك،
وأدرتُ ظهري،
بكبرياءِ أنثى
تعلّمت كيف تُنكرُ ضعفها…
وتمضي.
رحلتُ…
كأنني لم أكن،
كأنّ العاصفةَ في داخلي
ليست إلا نَسَمةً صيفيّة.
عدتُ أدراجي
محمّلةً بالخيبة،
بحنينٍ مقموع،
وبصوتِ قلبي
الذي ما زال يهمس:
“أنا هي…”
…لكنك
لم تسمع

اترك رد