منبر العراق الحر :
لا يمشي المعدان كثيرًا في حياتهم، ذلك لأن بيوتهم على مساحة قليلة من الأرض اليابسة وشوارعهم ممرات مائية بين غابات القصب، فتتحول خطواتهم إلى قوارب تمشي على تلك الشوارع. ومن يدفعها على السير مرادي يمسكها من يقودون تلك الزوارق النحيفة ولها نقطتا وصول، هما مناطق رعي وقيلولة الجواميس ومدينة الجبايش التي يذهبون إليها لبيع بضاعتهم من منتجات الألبان والقيمر أو يشترون احتياجاتهم القليلة وأهمها الطحين والأرز والسكر والشاي والبهارات. وهناك عطارون يبيعون لبنات المعدان حلي الزينة الملونة والرخيصة من الأقراط والقلائد، ولم أشاهد في يوم ما واحدة من بنات القرية ترتدي قرطًا ذهبيًا أو قلادة، وربما يفعلون ذلك في الأعراس ويخبئونه في مكان سري بعد انتهاء مراسم العرس.
ذات عام، نقصت المياه في الأهوار بسبب أزمة سياسية حادة حين أقامت سورية سدًا على نهر الفرات اسمه سد ” الطبقة “، يسيطر على تدفق مياه نهر الفرات ويتحكم فيه. وعلى إثر هذا النقص، بدأت تظهر الجزر الطينية المتفرقة وصار من الصعب سير القوارب. وكاد الدوام في مدرستنا أن يتعطل بعد أن نشأ جراء هذا النقص في الماء جسر طيني بين قريتنا ومدينة الجبايش الحضرية وبطول 5 كيلومترات. وأصبح من الصعب الوصول إليها بالقوارب. وحده عفريت اكتشف أنه قادر على السير ساعتين في الطين ويصل الجبايش ويشتري ما يحتاجه أهل القرية ويبيعه عليهم بنفس ثمنه.
كان عفريت طويل القامة وتشعر وهو يخطو أن لديه أقدامًا حديدية، ومتى رأيناه يبدأ خطواته في أرض رخوة جفت سريعًا بسبب قوة حرارة شمس الصيف، لنطلق عليه لقب عفريت هرقل المعدان. ولكني اقترحت له لقبا آخرا هو ” جلجامش المعدان ”
القرى الأخرى صارت تتحدث عن بطلها الخاص، فظهر لنا تلك الأيام أبطال عديدون أصبحوا مثل قوارب نجاة لقريتهم. ذات يوم، ذهب عفريت كعادته يدفع بأقدامه القوية الباسلة في اللسان الطيني اللين بين قريتنا والجبايش، ولكنه لم يرجع. وليومين آخرين لم يرجع، فقلقنا وأهله عليه وحسبناه مرض بسبب سيره اليومي في طريق رطب يصعب السير عليه. ومتى مر علينا واحد من هراقل المعدان في قرية أبعد منا وتطوع أن يشتري لنا ما نحتاجه وطلبنا منه أن يسأل عن عفريتنا ما به.
في اليوم الثاني، عاد ليقول لنا إن عفريت صادف مجموعة من المشاية قادمين من القرنة ذاهبين سيرًا على الأقدام إلى كربلاء لزيارة أربعينية الإمام، فقرر إكمال الطريق معهم.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر